أشرف العنانى : في قاع البئر .. في عتمته !!!

في علاقتي كشاعر مع اللغة وعلم  النحو لم أهتم بشيء قدر اهتمامي بالجملة الفعلية ولم أتعاطف سوى مع صيغة المفعول به المنصوبة علي الدوام ربما كعقاب وجودي ، هي وحدها تتحمل أعباء الجملة الفعلية ، مكانها الطبيعي في نهاية الجملة ، وعليها تقع تبعة الاستقامة ، استقامة الجملة أو استقامة الحياة ، ليس هناك من فارق ، أيضاً ليس هناك فعل بلا فاعل ، أما الأهم فليس هناك فاعل دون مفعول به ، الجلاد لا بد له من ضحية ، والمحب لا بد له من حبيبة ، و المتكلم لا بد له من مستمع ، والعامل لا بد له من معمول به ، والعابث لا بد له من معبوث به ، الحاكم لا بد له من محكوم ، هل رأيتم سيداً بلا عبد ؟؟ ، عاشقا ً بلا عشيقة ؟؟ ، قاتلاً بلا قتيل ؟؟  ، هل يمكن أن نصادف فاعلا ً بلا مفعول به ؟؟؟ شرط وجود الفاعل إذن أن يكون له مفعول به  . باختصار لا تستقيم الحياة ولا يمكن تصورها سوي بهذا الدور الحيوي و الوجودي الذي يقوم به المفعول به , هو حجر زاوية في الوجود .

لكن المؤلم في هذا أنك عندما تتأمل هذا الدور تكتشف كم هو محبط ، كم هو مظلم ، كم هو مخيف ، فثمة تواطؤ ضمني يقوم به المفعول به للفاعل ، هو يدعمه ، يقويه ، يحفزه على التمادي ، المرأة في السرير لا تصل إلا ذروة النشوة أو ما يسمونه بالاورجازم سوي في إخلاصها الغريزي لدورها كمفعول بها في اللحظة التي يتمادى الرجل في إيقاع أقصى ألم بها ، أي التمادي لأقصى حد في دوره كفاعل ، المازوخية و السادية هنا ليست مفتاح اللغز ، إنها العلاقة الوجودية بين الفاعل والمفعول به ، وكمثال أيضاً أعيد ما قاله جان جاك روسو في العقد الاجتماعي عن العلاقة بين العبيد وسادتهم ، إذ يقرر وأظنني أتفق معه أن العبيد هم بالأساس من يصنعون سادتهم وليس العكس ، الشعوب المقهورة هي من تصنع حكامها الطواغيت وليس العكس ، لنفرض مثلاً أن حاكما من دول العالم الثالث ذهب الي أوروبا وشاء القدر أن يتولي منصب حاكم هناك ، هل تعتقدون أن أحداً سيسمح له بأن يصبح طاغية ؟؟؟ . أحياناً قد تستغرب عندما تري المفعول به يمسك بيد الفاعل ليدله علي الطريق ، ينوره ، يعلمه الطرق المثالية لممارسة الفعل عليه ، هذا ليس غريباً بالنسبة له ولا حتى مؤلم بل ربما يكون علي العكس ممتع وهنا تصلح المازوخية كمفتاح للفهم ، هو مؤلم فقط لمن يراقب المشهد من بعيد .

في قاع البئر أيضاً ، في عتمته ، ستكتشف ما هو أفدح إذ ربما يصح لنا أن نتعاطف مع الفاعل الذي قد يمل دوره ويرغب في استراحة ، أو حتى في الاعتزال عن هذا الدور وللأبد ، هو قد يرى أن دوره هذا غير عادل ، لكنه لا يعرف كيف يتخلص من هذا العبء الوجودي ، أما المفعول به فهو علي الدوام من لا يتردد ، من لا يتخلى ولو في أحلامه عن دوره ، الحمار لا يفكر أو حتى يتصور أبداً أن يركب صاحبه ، هو خلق ليكون كذلك ، أتذكرون حكاية جحا مع حماره ، لا معنى له سوى في أن يركبه صاحبه ، كما لا معني للقطيع سوى بأن يقوده راع , هي أبجديات الحياة إذن ولا مجال سوي لأن تدوم ليكون الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب على الدوام ، أما نحن فليس أمامنا سوى أن نرى وننصت بألم أو بلا ألم ، فهذه هي قوانين الحياة.

Alanany1@gmail.com