طارق الزمر: نظريات الإصلاح السياسي في مصر.. والمشهد السياسي الحالى!!

يصطدم كل من يحاول أن يرصد الخطط أو البرامج أو النظريات، التى تحكم المشهد السياسى المصرى، فى إطار الإصلاح السياسى الذى بدأ زخمه منذ عام 2004م، بالعديد من النظريات أو المسلمات, والتى باتت تحكم أى عملية إصلاح أو تغيير, وهى نظريات تسد الأفق أكثر مما تفتح ثغرة فى الجدار الأصم, أو تجد بصيصاً من النور فى نهاية النفق المظلم.

ولعل من أهم الأسباب التى تؤدى إلى هذه النتيجة: أن الوسائل المتاحة غالباً ما تدل على الأهداف الممكنة, وأن العزائم والطموحات غالباً ما تدل على والنتائج بل والمجريات, وهنا ينبغى أن نصارح أنفسنا, بأن مسارات الإصلاح فى مصر الحالية لا تبشر بالخير.

فإذا ما حاولنا رصد أهم نظريات الإصلاح السياسى المطروحة والمتاحة للتداول، وجدناها كالتالى:

1_الإصلاح الدستورى، وقد أصبح بيد الحكام، يمنحونه أو يمنعونه، وقد علمتنا السياسة المصرية الأصيلة, صاحبة الجذور الممتدة, والضاربة فى عمق التاريخ , أنهم لن يمنحونه طالما ظل فيهم قلب ينبض!!

2_الممارسة السياسية والحزبية، وقد أصبحت مقيدة من الألف إلى الياء، ولم يعد يسمح لها بالحياة إلا فى إطارات ومسارات محددة, لا تتجاوز دور تبرير المشهد السياسى للحزب الحاكم، أو تزيين سلطته، فهى ديكور مصنع داخل جهاز الحكم ، برغم أن ذلك الديكور قد أصبح بالياً يحتاج إلى ديكور يزينه أو يستره!!

3_النضال المدنى، وقد أحاطت به مجموعة من القوانين، التى حولته إلى أداة لخدمة الوضع القائم، ، كما خولت له السلطة بعض الصلاحيات, التى وضعته فى خدمة أجندات أجنبية!! وفى المحصلة فقد أصبح يتمتع بشكل كاريكاتيرى مضحك، فهو إما فى خدمة السلطات, أو تحت أمر الأجندات الأجنبية, وربما ـ وهو أسوأ ما يبرزه المشهد ـ قابلية منظمات المجتمع المدنى للاستخدام فى قمع حريات بعض التيارات, أو التستر على عملية قمعها, فى مشهد لا يخلو من كوميديا سوداء!!

4_الكفاح المسلح، الذى تفرغت كل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والإعلامية والقانونية لإجهاضه، وتجفيف منابعه, حتى أصبح من المستحيلات، فى ظل الوضعية الأمنية والإستراتيجية والسياسية الحالية.

5_الاستعانة بالخارج أو استدعاؤه، والذى كان ولا يزال وسيظل سلاحاً فاسداً، لأن الخارج لن يساعد أو يؤيد إلا من يضمن ولاؤه لمصالحه وسياساته، تلك المصالح التى تتعارض بشكل قطعى مع مصالحنا، ومع كل ما يدعم تحررنا الوطنى.. كما أن الخارج يكذب علينا كل يوم, حين يزعم أنه يدعم الإصلاح فى بلادنا، لأنه فى الحقيقة أكثر المستفيدين من استمرار فساد الأوضاع فى بلادنا، و ينبغى ألا نتوقع أن يأتى أى تغيير أو إصلاح مدعوم من الخارج بأفضل مما هو قائم, كما أن الخارج فى حقيقة الأمر, يرى بوضوح أن كل المصلحين المخلصين فى بلادنا، مستاءون من تدخله فى شئونها، وإفساده لها، ويعلم تماماً أن أى إصلاح أو تغيير حقيقى سيسئ إليه, كما سيسئ لحلفائه المستبدين، لأنه لن يكون ملبياً لأطماعه فى بلادنا، كما أنه لن يسمح باستمرار حكم المستبدين أيضاً.

6_الخروج الآمن، وهى نظرية مؤداها: أن يخرج الحكام المفسدون بما نهبوا, وبما أجرموا فى حق الوطن والمواطن، فى مقابل أن نتعهد لهم بعدم الملاحقة القانونية أو السياسية، وهى نظرية على قدر ما تحمل من المواءمة السياسية، على قدر ما بها تنازلات غير شرعية, يوحى القبول بها إلى الاستعداد فى التفريط فيما لا يجوز التفريط فيه.

فإذا ما حاولنا أن نلقى نظرة سريعة على طريقى الإصلاح الرئيسين والمعتادين والطبيعيين, واللذين ينحصران فى الإصلاح من داخل النظام أو من خارجه وجدنا ملامح مأساة متكاملة:

فالنظام السياسى الحالى كغالبية النظم, وربما كان نظامنا السياسى من أعتى النظم فى هذا المجال, ليس لديه أى استعداد لخوض مغامرة التغيير أو الإصلاح, وقد عودنا أن الإصلاح لا يكون إلا للوراء, حتى نندم على كل يوم لم نرض فيه بما قدره لنا, وألا نطالب بالإصلاح مرة أخرى.. كما أن نظامنا السياسى يكتفى بالطبل والزمر الإعلامى, الذى يسكن الأوضاع فعلاً, ويقنع المقتنعين قطعاً, أننا بالفعل أعظم دولة ديمقراطية فى العالم!! وأننا على أعتاب دولة صناعية عظمى!! لولا الزيادة السكانية أو الإرهاب والتطرف أو التخلف الذى ورثناه من حقب الحكم الإسلامى!! فيا حسرتنا على ما سببناه أو جلبناه لأنفسنا!! ويا لا بؤس وشقاوة النظام الذى ابتلى بنا!!

أما الوضع الطبيعى للإصلاح والذى يأتى من خارج النظام, فقد أصبح جزءاً أصيلاً من المأساة: مرة بفعل تأمر الاستبداد على هذا الخارج, فى أطار مخطط النظام للاحتفاظ الدائم بالسلطة, وعمله الدءوب على تفكيك كل الهياكل المعارضة, وتشتيت كل عزائمها, ومرة بتأمر قوى المعارضة على نفسها وغرقها فى مستنقع المصالح الذاتية, والأهداف قصيرة المدى.. وربما لا أبالغ إذا قلت: أن الحالة المصرية هى من أوضح الحالات فى العالم التى تتآكل فيها قوى الإصلاح والتغيير من داخلها, ولا تحتاج إلى جهد خارجى ليفككها, وأنها إذا تركت لنفسها, فعلت بها ما لا يستطيع مناهضوها أن يفعلوه بها!!

لهذا يجب أن تكون أولوية المرحلة هى أن نعرف: من هى القوى التى يمكنها أن تصلح..؟ وما هى مواصفات التيار الذى يمكنه أن يطهر مجرى النهر..؟ وما هى الخطوات اللازمة للإصلاح..؟ وذلك قبل أن نتقدم فى اتجاه طريق محكوم عليه بالفشل, وحتى لا نضيف لتجاربنا الفاشلة تجربة جديدة, فهذا مما يقوى الاستبداد فى بلادنا, ويضعف عزائم الأجيال القادمة, وهو واجب يلزمنا أن نحسب له ألف حساب.

فالحالة الراهنة ينبغى أن تظهر فيها القوى المعارضة الشريفة, التى يمكنها أن توفر الشروط الموضوعية للتغيير ولإصلاح, وتقود الأوضاع المأساوية للبلاد, لأنها القوى التى تعيش بين كل الأزمات, وتتوجع لحال البلاد, وتعانى مشكلات أمتها, ولا تستطيع النوم وهى ترى الجوع يخنق شعبها, والبؤس يلف مصير بلادها, وهى ترى مخططات الأعداء تحيط بمصير أمتها من كل الاتجاهات, وعلى كل الجبهات.. فهل أن الأوان أن نبحث عنها ونلتف حولها..؟