د.إيمان يحيى :مسابقة “الطالب الغيور” و “الجامعة الغيورة”

هل تتذكرون مسابقة الطالب و الطالبة المثالية التى كانت تقام فى جامعاتنا فى غابر الأيام؟.. كان “المثالى” أيامها يتم اختياره من الطلاب المتفوقين علمياً ، و من البارزين فى الأنشطة الفنية و الثقافية. من مِّنا لايتذكر فيلم “خللى بالك من زوزو”، و به مشهد تتويج البطلة سعاد حسنى بلقب “الطالبة المثالية”. صحيح أن “حسن الامام ” مخرج الفيلم أضاف طبخة الميلودراما الفاقعة ، فجعل “زوزو” راقصة و عالمة أثناء ساعات الليل ،و طالبة مجتهدة نشيطة فى الجامعة نهاراً، الا أن من شاهد الفيلم بلع مبالغات “الامام” و استمتع بتفتح فتاة مصرية على الحياة و الجامعة. ظل “خللى بالك من زوزو” فى قاعات السينما سنوات طويلة، يحطم أرقام قياسية لايرادات الشباك حتى منتصف السبعينات.
فى نهاية السبعينات، و مع هيمنة تيارات “الاسلام السياسى” على الاتحادات الطلابية فى الجامعات، حدث تطور فى هيئة “الطالب و الطالبة المثالية”. أصبح “المثالى” هو الطالب المتفوق دراسياً، الملتزم باطلاق اللحية أو الملتزمة بالحجاب. أصبح “المثالى” هو الحريص على أداء الواجبات الدينية فى أوقاتها فيقف أثناء المحاضرات ليؤذن للصلاة، و ليؤم الآخرين فى صلواتهم. لم يعد مهما ممارسة النشاط الثقافى أو الفنى بعد أن تم تجميدهما بواسطة تيارات “الاسلام السياسى” داخل الجامعة بحجة أن تلك الأنشطة تساعد فى انتشار الرزيلة.
و ها نحن فى عام 2010 نشهد تطورا درامياً فى مفهوم “الطالب و الطالبة المثالية” و أيضاً فى “الجامعة المثالية”. بدلاً من “المثالى” أصبحنا نسمع لفظ “الطالب الغيور”، و أصبحنا أيضاً نصطدم بمصطلح ” الجامعة الغيورة”. و الحق، أن رئيس “جامعة عين شمس” ببيانه المشهود قد أحسن اختيار عنوان المرحلة التى تعيشها جامعاتنا المصرية. تعالوا نتأمل مواصفات” الطالب الغيور” لجامعة عين شمس، ذلك الطالب الذى حظى بتقريظ ادارة الجامعة و نال تتويج “الوزير هلال ” فى وسائل الاعلام كطالب يجب ان يحذو حذوه بقية الطلاب. “غريب ” ذو الثانية و الثلاثين ربيعاً ، القابع فى سنة ثالثةحقوق، هو “الطالب الغيور”. عضلات “غريب” المنتفخة ، و أدبه الجم الذى لا يعرف سوى الأسلحة البيضاء و الجنازير وسيلة للتعامل مع الأساتذة و الطلاب ، هما السر وراء اختياره رمزاً للجامعة المصرية فى عهد الوزير “هلال”. ليس مهماً تعثر “غريب” الدراسى الذى يجعله يحطم الأرقام القياسية فى المكوث فى الجامعة، و ليس مهماً أن يبدو بمظهر البلطجى . المهم هنا هو تعاونه الشديد و امتثاله لأوامر “الأمن” داخل الجامعة. السبب الجوهرى لتصدر “غريب ” المشهد الجامعى، هو طاعته الشديدة لتوجيهات الأمن داخل الجامعة. التقت “طاعة” غريب مع “طاعة” ادارة الجامعة ليصنعا مشهداً صادقاً عما آلت اليه أحوال الجامعات المصرية.
عندما ذهب “محمد بديوى” الصحفى باليوم السابع لتحرير محضر بقسم “الوايلى” بةاقعة اعتداء “غريب ” عليه، فوجئ بأن “الطالب الغيور” من أصحاب “الخطوة” بلغة الصوفية. هو مازال فى الجامعة يمارس “غيرته” على جامعته، و لكنه فى نفس الوقت قد سبق بتحرير محضر ضد “الصحفى المسكين”. تلك التقنية التى تم إتباعها فى العديد من الجامعات ضد الطلاب الذين يتعرضون لاعتداءات بدنية من الحرس الجامعى و رجال الأمن، فأصبحت بمثابة “تمرين مشهور” لا حاجة لتدريسه فى جامعاتنا. فى وقت سابق كان وصم أى طالب جامعى بأنه “مباحث” كفيل بعزله و انزوائه طوال سنوات دراسته. اليوم أصبح ” الطالب المباحث” و الذى أصبح “غيوراً” و “بلطجياً” فى نفس الوقت هو مفخرة جامعاتنا.
لقد حازت جامعة عين شمس عن جدارة بلقب “الجامعة الغيورة” عن العام الحالى و الأعوام السابقة. لم تخل “عين شمس” فى عام من الأعوام السابقة من أحداث استخدام “البلطجة” ضد طلابها، و تعددت حوادث الاعتداء على الاساتذة من قبل ضباط “الحرس الجامعى”. و لعل تميز و ريادة ادارة “الجامعة الغيورة ” ، قد أشعلا “الغيرة” فى نفوس الجامعات المصرية الأخرى. قد نسمع فى القريب العاجل باطلاق مسابقة “الطالب الغيور” و “الجامعة الغيورة” من قبل المجلس الأعلى للجامعات و وزارة التعليم العالى. تلك المسابقة “الغيورة” بجوار مشاريع “الجودة” و “التعليم الموازى” و “المتميز” و “المفتوح” ، هى مظاهر الانحدار الذى وصلت اليه الجامعة المصرية.