المستشار زغلول البلشي: الحكومة والشرعية

لما كان القضاء هو الضمانة الحقيقية للإنسان في المجتمع ، والمؤتمن على حريات الناس و أعراضهم ، وحماية حقوقهم وأموالهم ، وهو المكلف بالسهر على الشرعية وسيادة القانون ، فقد احتل مكانة رفيعة في قلوب الناس على مر العصور ، وأحيط بالهيبة و الإجلال والسمو والقداسة ، حتى أن الفراعنة اتخذوا من القاضي إلاها أسموه ” إله الحق “. وتتباهى الدول الحديثة بخضوعها لسيادة القانون ورضوخها لقواعده وأحكامه واحترام أحكام القضاء والمبادرة إلى تنفيذها. أما خروج الحكومة عن الشرعية و امتناعها عن تنفيذ أحكام القضاء ، أو الائتلاف عليها ، أو التنفيذ المبتور لها ، أو التراخي أو التباطؤ في تنفيذها ، أو تعطيل أثارها بنصوص تشريعية فله نتائج سلبية وخطيرة على كافة مناحي الحياة ، وعلى سمعة الدولة في الداخل والخارج ، ويؤدى إلى ضياع هيبة الدولة ، ويصيب المجتمع بالشلل والخلل ، ذلك بأن هيبة الدولة وقوتها من هيبة القضاء وقوته واحترام أحكامه وتنفيذها . كما يترتب على عدم تنفيذ أحكام القضاء ‘إشاعة الإحباط واليأس لدى الناس و انتشار الفوضى وفقدان الثقة في الشرعية وسيادة القانون وهروب رأس المال والشركات الاستثمارية سواء منها الوطنية أو الأجنبية ، ذلك لأن استقلال القضاء واحترام أحكامه وتنفيذها صمام أمان وتربة خصبة لجذب رأس المال وتشجيع الاستثمار عن طريق الحماية القضائية لرأس المال والاستثمار والنشاط التجاري كله ، و القول بغير ذلك فيه خلل كبير .

و لذلك نصت المادة 123 من قانون العقوبات على أن يعاقب بالحبس و العزل الموظف العمومي الذي يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي بعد مضى ثمانية أيام من تاريخ إنذاره على يد محضر إذا كان التنفيذ يدخل في اختصاصه.
وإذا كان الدستور قد نص على استقلال السلطة القضائية ، و أكد كفالة حق التقاضي ، فإن عدم تنفيذ أحكام القضاء يعد خروجا على الشرعية وانتهاكا لها ، ويشعر الناس بأن الشرعية لا قيمة لها ما دامت الحكومة لا تقيم لها وزنا ، ويتأكد هذا الشعور لديهم ، و أنه لا قيمه للدستور أو القانون أو القضاء ، وتتحول مواد الدستور ونصوص القانون إلى مجرد كلمات صدرت ذرا للرماد في العيون ، ويفقد القضاء سبب وجوده ، ويختل الأمن والسكينة ، وتعم الفوضى ، وتسود شريعة الغاب ، وفى ذلك ضرر كبير وخطر عظيم .
إن إصرار الحكومة على عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري في الآونة الأخيرة والالتفاف حولها ، يعد خروجا على أحكام الدستور ، و تعطيلا لأحكامه ، ويمثل ظاهره فجة وخطيرة ، تحمل بين طياتها انتهاكا صارخا للأحكام القضائية ، و استهانة لما لها من احترام وقدسية ، وتهوى بحق التقاضي – وهو حق دستوري – إلى العدم ، فما جدوى القضاء إذا كانت أحكامه لا تحترم ولا تنفذ . فهل ترعوي الحكومة وتبادر بتنفيذ أحكام القضاء الإداري الأخيرة كما نطقت به ووردت بحيثياتها .
إنها مجرد صرخة أعلم أنها بوار ، ولكنه الحق و الواجب .
نائب رئيس محكمة النقض