إلهامي الميرغني: عشوائية السياسات والقرارات

يصعب ان يصدق عاقل ان كثير من القرارات الهامة في مصر تصدر عشوائيا بدون اي دراسات جادة أو من خلال دراسات شكلية بعيدة كل البعد عن العلم مثل إلغاء السنة السادسة من التعليم الأساسي ثم عودة السنة السادسة ، ومثل نظام الثانوية العامة في مصر، ومثل التوقيت الصيفي والشتوي ومثل التقسيم الإداري للمحافظات. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تضخم حجم الجهاز الحكومي والحاجة لتقليل عدد الموظفين تمت اضافة 3 محافظات جديدة بكل ما يتبعها من مديريات خدمات وخلافه . وعقب صدور قرار جمهوري من رأس النظام بالتقسيم صدرت قرارات أخري بالتعديل وبما يجسد عشوائية السياسات والقرارات في مصر.

آخر ابدعات النظام الرأسمالي العشوائي في مصر هو قرار إغلاق المحلات التجارية في القاهرة اعتباراً من الساعة الثامنة مساءاً وتطبيق ذلك اعتباراً من أول يناير القادم . ولأننا بلد العجايب فقد وافقت الغرفة التجارية بالقاهرة ( المفترض انها تعبر عن مصالح التجار) علي القرار وطالبت بتطبيقه علي الهايبر ماركت. لكن ما هي خلفية هذا القرار؟!

نشرت الصحف ان النائب الشرطي العميد نبيل لوقا بباوي هو صاحب الاقتراح والذي تم عرضه علي مجلس الشوري ورحبت به محافظة القاهرة. وقد أكد بباوي (وهو يعمل ايضا كمدرس بكلية الشرطة!!!) أن أوروبا كلها تقوم بغلق جميع المحلات فى الساعة الثامنة مساء فى الصيف والسابعة مساء فى الشتاء وهو تجربة ناجحة بكل المقاييس وهى فى رأيه توفر فى استهلاك الكهرباء إلى النصف ويمكن أن نستغل هذا التوفير فى إنشاء مصانع ومدن جديدة وتزويد الإنارة وثانيا نخلق سيولة مرورية نحن نحتاجها بدلا من التكدس المرورى وثالثا: ما لزوم المحلات المتخصصة فى الكمبيوتر والأحذية والملابس والتكييف بعد الثامنة مساء. هذا هو رأي السيد بباوي .

لكن العجيب أيضا هو رأي أهل الذكر فقد أكد الدكتور أكثم أبو العلا وكيل وزارة الكهرباء والطاقة أن الوزارة ليس لها علاقة بقرار اغلاق المحلات التجارية فى الثامنة مساءا حيث أنه لا يؤثر على استهلاك الكهرباء بالزيادة او بالنقصان . ونشرت هذه التصريحات علي موقع أخبار مصر الحكومي .

كذلك يرى اللواء فؤاد الدنف مساعد وزير الداخلية ومدير الإدارة العامة للمرور المركزى أن هذا الاقتراح بغلق المحلات يحتاج إلى دراسة متأنية واستقضاء من جانب المتخصصين فهو ليس واقعيا ولن يحقق السيولة المرورية فى ساعات اليوم بل سيتم توزيع الكثافة المرورية وساعات الذروة على مدى ساعات العمل بدلا من توزيعها على مدار اليوم الكامل بحيث تخفف حركة المرور بعد الثامنة أو التاسعة مساء بعد الإغلاق فى حين سيتم تكثيف الحركة المرورية والتكدس المرورى فى الفترة ما بين الثامنة صباحا وحتى الثامنة مساء.ويضيف أن هذا الاقتراح سينقل الزحام المرورى فقط من وقت إلى وقت آخر وسيضغط على أوقات الذروة وبالأخص خلال الفترة من الخامسة إلى الثامنة أو التاسعة مساء. ويرى مدير المرور المركزى أن هذه الزيادة المرورية خلال هذه الفترة طبقا لهذا الاقتراح ستحتاج إلى جهد أكبر وأفراد أكثر من قوات المرور لمواجهته.

إذا كان خبراء الكهرباء يؤكدون أنه لن يتم توفير الطاقة لأن استهلاك المحلات لا يشكل سوي نسبة صغيرة بجانب الاستهلاك الصناعي والاستهلاك المنزلي الذي لن يتأثر. وذلك ما يؤكده خبراء المرور . لكن الحس الأمني لدي السيد بباوي وصناع السياسة في مصر تستهدف فرض نوع من حظر التجول علي سكان القاهرة يتبعه تكثيف الحملات الأمنية خلال الفترة القادمة. إنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة دراسة مختلف جوانب القرار وسؤال خبراء الحكومة ولم نقل برأي خبراء آخرين. ولكن هذه حكومة أهل الثقة وليست حكومة أهل الخبرة!

لم يكلف بباوي ومجلس الشوري والغرفة التجارية أنفسهم بدراسة مختلف جوانب المشكلة وتأثيرها الاقتصادي . ألن يؤدي ذلك لزيادة معدلات النسل كما حدث في مرات سابقة؟ ألن يؤدي لزيادة الركود بفقدان المحلات لأربع ساعات عمل يومياً؟ هل سيدفع اصحاب المحلات نفس الأجور أم سيتم تخفيض أجور العمال بعد تخفيض ساعات العمل بل وتخفيض العمالة؟ ألن يؤدي ذلك لمزيد من حالات الافلاس وزيادة معدلات البطالة؟ الا يوجد عقلاء لدي هذا النظام يطرحون ارائهم ويعدون دراسات موضوعية؟

الحقيقية التي لا تقبل الجدل هو ان لدينا عشرات المراكز البحثية والأجهزة التي تعد عشرات الآبحاث التي تجد طريقها الي المخازن وسلال القمامة في مكاتب كبار المسئولين. ثم ما قيمة تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات وعشرات الأجهزة الرقابية اذا لم تؤدي لإقالة مسئول فاسد أو تعديل قانون أو إلغاء قرار.هذا هو العلم والتغيير للأفضل. لكن ما يحدث عندنا هو أن الأمن ومصالح الحكام هي الأولوية الأولي والثانية والأخيرة لكل أجهزة الدولة ولا عزاء للشعب المصري.

أعجبتني فلسفة وحكمة نبيل بباوي حين سأل عن رد فعل الناس فأجاب ان الناس سترفض في البداية ولكن بعد ذلك ستتعود!!! المهم ان الموضوع لقي تأييد من السيد صفوت الشريف الذي أحاله للجان المجلس ولمحافظ القاهرة الذي أيد القرار. هكذا تدار مصر بعشوائية من أعلي هرم السلطة وحتي قاعدته ليصدق قول الشاعر فينا: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.