حاتم حافظ : الكرامة والثقافة

دعتني الصديقة الكاتبة سمر نور للمشاركة في ملف بعنوان الواقع الثقافي وفكرة الكرامة، وكان سؤالها التأسيسي للملف: هل يكرس الواقع الثقافي لفكرة الكرامة.. أم لا؟ وكيف يتفاعل هذا الواقع مع أفكار كهذه سلبا أو إيجابا؟ والحقيقة أني وجدتني كما لو كنت في حلم تتتابع مشاهد الواقع الثقافي المحبط للغاية أمام عيني ككابوس. منذ فترة أخبرني كاتب ستيني كبير أنه بصدد اتخاذ قرار بالتوقف النهائي عن الكتابة.. كتابة الرواية تحديدا. قال “إن الواقع الأدبي لا يجعل من كتابة الرواية فخرا لأحد”. كانت انفجارة الرواية قد اتخذت مسارات عنيفة جدا، حتى قلت ذات مرة إن الرواية أصبحت تُكتب من باب الوجاهة الاجتماعية. تصدّر قوائم الأكثر مبيعا المشهد الروائي جعل من الكتابة رديفا للتفاهة، “انتقلت كتب الأرصفة إلى أرفف المكتبات” على حد تعبير أحد أصدقائي.

ووجدتني أتساءل: الواقع الثقافي هل يكرس لفكرة الكرامة.. ما هو الواقع الثقافي؟ إذا كان لدينا واقع ثقافي فهل يكون الواقع الثقافي مقابلا للمتخيل الثقافي؟ إذا فكرنا على هذا النحو فهل معنى هذا أننا بإزاء ثنائية مادية وذهنية؟ هل يمكن فصل الواقع الثقافي الذي يمكن إجماله في العلاقات بين المثقفين بعضهم البعض وبين المثقفين ووزارة الثقافة ومراكزها وهيئاتها وشاغلي مناصبها وبين المثقفين والسلطة وبين المثقفين والجهات المنوط بها الشغل الثقافي.. هي يمكن فصل هذه العلاقات المادية عن المتخيل الثقافي الذي يصنعه المثقفون؟ هل يؤسس المتخيل الثقافي للواقع أم أنه يرتكز على الأخير ويتأسس عليه؟ في ظني أنهما معا يؤسسان لما يمكن تسميته بالخطاب الثقافي والذي لا يمكن عزله عن علاقات القوة لا في المجتمع الثقافي فحسب ولكن عن علاقات القوة في المجتمع الكبير. وهي علاقات تتأسس أساسا على مرجعيتين، الأولى: سلطوية استبدادية، والثانية: أصولية دينية. تتشارك المرجعيتان الآليات نفسها من قمع واستبعاد وإقصاء وعزل. ذلك أن أيا منهما لا يمكنه مبادلة الآخر المختلف صك الاعتراف، فكما أن الأصولية الدينية لا يمكنها الاعتراف بالآخر لأنها تستند على العقيدة، ما يعني أن قبول الآخر يعني بالنسبة لها انتقاص من العقيدة، وتشكيك فيها، فإن السلطة الاستبدادية لا يمكنها قبول الآخر أيضا، لأنها تستند هي الأخرى على الاعتقاد في امتلاكها الحقيقة، لإيمانها أن من يملك القوة يملك الحق، لا في ممارسة القوة فحسب، بل وفي البطش بها أيضا. ولخلطها بين السيادة والصلاحية ظنا منها أن السيادة والشيوع دليل صلاحية.

على هذا لا يمكن تصور أن الخطاب الثقافي ـ وهذا حاله ـ يمكن أن يمنح أينا ما يعرف في علم الأخلاق بالكرامة الإنسانية، وهي مبدأ أخلاقي يعني أن الإنسان غاية في ذاته وليس أداة أو وسيلة، ما يعني أن الإنسان ليس رقما في جداول انتخابية يتم استدعاؤه دون إرادته، وما يعني أيضا أن الإنسان ليس مخلوقا لتقديم القرابين. فالكرامة تعني أن تحترم السلطة ـ أيا كانت ـ الرغبة الإنسانية في مخالفتها والاعتراض عليها كما تعني أن من حق الإنسان أن يكون معارضا بالقدر نفسه الذي يحق له أن يكون ناقدا للعقيدة مخالفا لها.

الخطاب الثقافي لا يؤسس للكرامة الإنسانية، لأن الاستبداد السياسي والأصولية الدينية، لا يخلقان إلا كائنات خانعة تستجدي الجوائز أو تحصل عليها مقابل خدمات، لهذا يمكننا فهم كيف تتصالح جماعات الهيمنة الثقافية مع الأصوليين في بعض مواقفهم ما يتمثل في منع بعض الكتب من قبل جهات ثقافية حكومية، والتلويح بحرق الكتب العبرية وما إلى ذلك من مواقف متراوحة بين مداهنة الأصولية لخطب ودها أو لمنع غضبها المحتمل، وبين تجميل صورتها بين الحين والآخر أمام المجتمع الثقافي. ما يحدث في الواقع الثقافي لا يؤسس إلا للاستبداد، الاستبداد السياسي والفكري والديني.

فضلا عن ذلك فإن تحول السلطة نفسها للنسق الرأسمالي غير المدروس فرض آليات السوق على الخطاب الثقافي ولهذا تتسيد قوائم المبيعات على المشهد، للدرجة التي يمكن لأي من كُتاب المدونات أو كاتبي الحكايات السطحية المباهاة بأن كتابه قد نشر أكثر مما نشر سيد الرواية العربية نجيب محفوظ، ففي الوقت الذي يمكننا قراءة عبارة “الطبعة الثالثة عشر” على كتاب شديد التفاهة يكافح أكثر الكتاب موهبة لكي يقنع ناشرا بطبع كتابه. الخضوع لآليات السوق أيضا هي التي جعلت من معرض الكتاب سوقا رائجة لتوزيع الكتب الأصولية بديلا عن قيامه بدور تنويري حقيقي، لأن العبرة بمن يدفع ودور النشر القادرة على تأجير أفضل الأماكن في معارض الكتاب هي الدور التي تبيع أكثر وهي بالطبع دور نشر الكتب الأصولية، كما لو أن السلطة الاستبدادية قد منحت الأصولية الدينية تأشيرة مجانية للإقامة الدائمة.

الاستبداد السياسي والأصولية الدينية الحاكمان للخطاب الثقافي بالتأكيد لن يجعلا للكرامة الإنسانية حضورا طالما الاختلاف غير مسموح به. وعليه يمكن فهم كيف يتعرض عملا إبداعيا جادا للملاحقة الرقابية في حين تمرر آلاف الأعمال التافهة. إن ما يخشاه الاستبداد السياسي والأصولية الدينية هو عمل جاد يمكنه ترك بصماته على الوعي الجمعي، في حين يرحب الاستبداد السياسي والأصولية الدينية بالمخدر الذي تطلقه الكتابات الساخرة والأفلام الركيكة والجهولة حتى ولو بدت هذه الكتابات وهذه الأفلام كأنها تتعرض وتسخر من هذا الاستبداد وهذه الأصولية (أفلام عادل إمام كمثال)، بنفس القدر الذي يسمح به النظام بكل هذا الصراخ في الصحف المستقلة لأنها بينما تشحن القراء عاطفيا فإنها لا يمكنها تحريك وعيهم، فتكون النتيجة على المدى القصير والبعيد شعور عام بالإحباط، والإحباط لا يشجع الشعور بالكرامة. أم أنه يشجعه؟!