نفيسة الصباغ : اليائسون من الوحدة

لم يعد المجال متسعا للحديث عن الانفصال أو الوحدة في السودان فالقرار سيتخذه السودانيون قريبا سواء في يناير المقبل أو بعده بقليل, لكن ما يغيب عن أذهان كثيرين حين يتعاملون مع الشأن السوداني هو البشر, خاصة الجنوبيون الذين سيتخذون القرار، وهنا سأروي ما رأيته علي أرض الجنوب السوداني من مشاعر إحباط ويأس وتشبث بفكرة الانفصال كنافذة ضوء وحيدة نحو مستقبل أفضل، ودولة يسودون فيها ولا يشعرون بأنهم مواطنون “درجة ثانية”.

الملاحظة الأولي بمجرد التجول في الشارع هي حجم الإصابات بين الرجال في مجتمع خرج كثيرون من حروبه الطويلة بعاهات، وقتل الرجال لتمثل النساء أغلبية التعداد، بمجرد الجلوس في أي مكان يمكن بسهولة ملاحظة حجم الإصابات التي خلفتها الحرب، فمن بين قرابة ٢٠٠ شخص حضروا حفلا غنائيا في أحد الفنادق، يوجد أكثر من ٢٠ شخص بإعاقة في الساق نتجت عن إصابات خلال الحرب أو بسبب الألغام المحيطة بالمدينة والتي خلفها القتال.

وخلال الحفل الذي أحياه أحياها الفنان السوداني عمر إحساس، ابن إقليم دارفور، يقف شخص يتحدث للجميع بانفعال شديد يؤكد أنه عانى كثيرا خلال حياته التي لم تكن قصيرة يخاطب الجمهور بـ”عربي جوبا”، رغم أن كثيرون منهم لا يفهمون كلمات الأغاني التي تعزف إيقاع دارفور وتتغنى بالسودان وبكل مناطقه ومدنه، يتحدث بألم وغضب عن أولئك الذين يريدون السير وراء الشمال والآخرين الذين يريدون السير وراء الجنوب، الغضب يتفجر من بين أحرف كلماته وهو يعلن أنه مع الوحدة، ومع السودان الذي يكون وطنا لجميع أبنائه، والذي يسمح لهم بقضاء سهرة مثل تلك وهم جميعا فرحون يستمتعون معا دون خوف، يرفض الحرب ويكرهها بكل ما فيه من قوة وبعد ما رآه من ويلاتها ولكنه في الوقت نفسه يرفض الوحدة وفقا للشروط الحالية، يرفض الاستمرار في أن يكون أقل درجة من سودانيين آخرين. وقفة الرجل وحركته وطريقة نظرته إلى الجمهور المحتشد تشبه كثيرا -مع الفارق- ما كان يفعله الراحل جون جارنج وطريقته في الحديث مع جنوده ومع الناس وكيف كان يحدثهم عن الوحدة التي تجمع كل ثقافات السودان ولا تفضل واحدة على أخرى.

التصفيق الحار الذي ناله الرجل بعد كلماته أكد أن جميع الحاضرين يؤيدونه ، ولا يريدون الاستمرار في دولة واحدة مع حكومة الخرطوم. كما يؤكد أيضا تحول الانفصال إلى أمل وحيد لدى الجنوبيين في حياة ومستقبل أفضل وهو ما اعتبره البعض مثل جيمبو ، الصحافي السوداني الجنوبي، التحدي الأكبر الذي سيواجه الحركة الشعبية لاحقا. تحدث جيمبو طويلا عن المخاوف التي تنتابه على الجنوب بعد الاستفتاء والمشاكل التي سيواجهها الجنوبيون، والفساد والتفاوت الشديد بين الأثرياء والفقراء في بلده، والخلافات القبلية التي قد تتفاقم لاحقا، ورغم كل ذلك لا يؤمن بأن الوحدة خيارا، فقد جربها طويلا ولم يصبح معها مواطنا من الدرجة الأولى، ولذل سيصوت للانفصال عسى أن يتمكن على المدى الطويل من الشعور بأنه ليس في المرتبة الثانية ولا الثالثة في بلده.

بوبويا نموذج ثالث ومختلف، فهو يرى كل شيء في الشمال ومنه نموذج للآخر الذي تسبب في معاناته الطويلة وشرده خارج بلده، وأفقده أبيه مبكرا، وبالتالي حين شاهد الخرطوم للمرة الأولى خلال ٣٠ عاما هي عمره لم يشعر بالفرح ولا بالدهشة ولا بأي شيء سوى الغضب – بل يمكن القول الحقد- من “الآخرين” الذين يتمتعون بثروات الدولة ويهملون تنمية الجنوب، لم يفكر في أن عاصمة بلده مدينة حديثة مثل كثير من مدن العالم وبها الكثير من الخدمات والبنى التحتية، لكنه فكر فقط في أن النظام الذي يسود في تلك المدينة هو عدوه الذي تسبب في فقر الجنوب وعدم تنميته.

المسافة شاسعة بين جيمبو وبوبويا، فالأول لا يحمل ذلك الغضب الكبير على “الشمال”، ويرى كل مشكلات الجنوب المقبلة، بينما الثاني لا يرى خيرا في الشمال وكل ميزة يحولها غضبه إلى “سوءات”، لكن الاثنين يتوافقان على أن هدفهما الانفصال، وهو الرأي السائد في الجنوب.

وفي نهاية ما يقرب من عام بين القاهرة والخرطوم وجوبا، يمكن القول بأن الوقت لم يعد  ملائما للحديث عمن تسبب في الوصول إلى هذا الوضع، هل هم الشماليون بنظامهم الشمولي وإهمالهم تنمية الجنوب، أم الحركة الشعبية بتعنتها الذي يراه البعض، لم يعد أمام مصر سوى الاستمرار في الاقتراب من جنوب السودان كدولة لها ثقلها في القارة والشرق الأوسط، وأيضا لحماية مصالحها القومية. فالحقيقة المؤكدة الآن هي أن كثير من الجنوبيين، وبعض الشماليين أيضا يئسوا من تحقيق الوحدة.