مسعد أبو فجر: كمائن متحركة: سي في لسيارتي..

“دي عين!!..” قال الحارس وهو يشير إلى بوز سيارتي المحطم. ليس الحسد ولكنه الإهمال.. (كدت أرد). ويبدو أنه قرأ الرد في وجهي. لأنه بدلاً من التعمق في موضوع العين، غير الموضوع وبدأ يكلمني عن سمكري جيد يعرفه. قلت، ولكنها محتاجه كهربائي ايضا. فتكلم، وهو يرسم ابتسامة على شفتيه، عن كهربائياً بإمكانه أن يوديني له.

هو واحد من نوبتجية الحراس الذين يقفون على بوابات مجموعة العمارات التي نسكن فيها. وتملكها المؤسسة التي نعمل بها. العمارات مسورة بسور يفصلها عن باقي أحياء المدينة. الجيران مزهوون بالانفصال، عن بيئات معظمهم قادم منها. ومع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي تعرض لها المجتمع، زاد عدد الباعة الجائلون الذين يدورون بين العمارات، ينادون على بضاعتهم. وصار عيال المناطق المجاورة، يلعبون الكرة على المساحة الخضراء بين العمارات. وتعرضت بعض الشقق للسرقة.

رأى البعض من جيراني، أن يتعاقدوا مع واحدة من شركات الأمن، تتكفل بحراسة العمارات. واتفقوا مع بعضهم على أن تدفع كل شقة 20 جنيهاً في الشهر مقابل هذه الخدمة. هذه الاتفاقات كانت تتم في المسجد. وبالتالي فالنخبة التي صارت موكلة باتخاذ القرار هي ممن يكثرون التردد على المسجد.

فكرت أن اعترض، ولكني خفت أن يقولوا بأني اتحجج كى لا أدفع. لذا وافقت على الدفع مع حرصي على إعلان رفضي، لفكرة أن أعيش في جيتو (غيتو) مطوق بأسوار وعليه حراسات. قلت، بأني لن أغفر أية مضايقة يقوم بها واحد من الحراس تجاه أي واحد من أقربائي البدو الذين يأتون لزيارتي.

كنت أعرف أن العلاقة ستكون مرتبكة بين الحراس وأقربائي. الحراس بطبيعتهم الثقافية، يرتابون في البدوي. ويرون فيه جاسوساً وتاجر مخدرات و(سارق أحذية الجند في المعركة الوهمية). أشعر أن تلك الثقافة تنعكس على علاقة الحراس بي، فهم ينعتونني بالعرباوي، وأحس أنهم يستغربون، وربما يستكثرون، وجودي في هذا المكان.. أما البدو فلا يضايقهم شيء أكثر من المناطق المسورة والحراس، خاصة ومعظمهم لن يميز بين البدلة التي يلبسها أفراد شركات الأمن الخاصة، وتلك التي يلبسها الضباط.

هذه رابع مرة، يتعرض فيها بوز سيارتي للتحطيم. الأولى أدارها واحد من ضباط مديرية الأمن بالعريش. غريب عداء الأمن لسيارات خلق الله. أرسلوا بلطجيًا لتحطيم سيارة محمد عبد القدوس، وقبله حطموا سيارة مصطفى شردي، رئيس تحرير جريدة الوفد السابق. والأكيد أن هناك سيارات لآخرين تم تحطيمها لكن لم يصلني خبرها. الضابط حاول مع أكثر من واحد، لتجنيده للقيام بالمهمة، كلهم رفضوا. واحد منهم قال للضابط، لو قتلته، فستظل قاعداً على مكتبك، بينما سأحارب وحدي في معركة الثأر التي ستقدم عليها عشيرته. ولكن سلطات الضابط الهائلة، والعيوب الخلقية الرهيبة المتغلغلة في المجتمع، ساعدتاه في الأخير على العثور على واحد ظن أنه سيؤدي المهمة.

(أقتله .. دوسه) قال الضابط لما اتصل به الولد الذي نفذ الخطة ليخبره بصدم سيارتي.. أقربائي حذروني، ابتعد.. سيقتلونك.. وكانوا يذكرون هذا الولد بالذات كمرشح لإداء المهمة. لذا ظنيت انه سيقتلني، حين رأيته ينقضّ على السيارة. (ربما) لهذا السبب حسيت بصغر درجة البلاء حين اكتفى بتحطيم السيارة.. قلت في نفسي، هذا آخرك.. الحمد لله أنها جت على كذى.

طبعاً الأعمار بيد الله، ولكن مايزال السؤال يلح على رأسي، كيف نجوت من الموت يومها؟.. معادلة الضابط تقوم على إلباس ثوب البلطجي لابن القبيلة، وابن القبيلة لبس ثوب البلطجي، وهي معادلة تشبه بأن تأتي بقرد من أدغال أفريقيا وتحطه في صحراء سيناء. ارتبكت المعادلة لأن ثوب البلطجي لم يكن على مقاس ابن القبيلة. في رأيي أن الضابط وهو يجند الولد، نسي شيئاً مهمًا للغاية، أن في رأس الولد بواقي من قيم وأعراف بدوية،  تعتبر القتل خطاً أحمر، لأنه يترك ثارات عميقة لا يمحوها الزمن. لهذا السبب في اعتقادي اكتفى بتحطيم السيارة، مراهناً على وجودي ذاته، الذي سيمنع اندلاع صراع ثأري، لا أحد يعرف متى وكيف سينتهي.

أما هذه المرة، فقد كنت قاعداً على القهوة، مع واحد لا يعرف السواقة، ويريد أن يتعلم. شرحت له بأننا، بعد أن نشرب الشاي، سوف نذهب إلى مكانٍ فاضٍ، وسأقوم بتدريبه هناك. كنت سأجلس إلى جواره كما يفعل أي مدرب. ظنيت أنه فهم. ولكنه ظل يلح: عايز أسوق يا مسعد.. لذا حين تناول المفتاح من قدامي، اعتقدت انه سيركب السيارة وربما يرجع بها إلى الخلف ويتقدم بها إلى الأمام، ولكن في حدود العشرة أمتار الفاضية قدام القهوة. ولكني فوجئت به ينطلق بالسيارة، تناولت الموبايل لاتصل به، ولكنه ترك موبايله قدامي على الطاولة. صديقي رمضان جاميكا علق: قطع كل الاتصالات بينك وبينه عشان ياخد راحته.

صرت اتحرك كالمجنون قدام القهوة. كنت على اقتناع كامل بأنه سيعيدها مهشمه. ولما جاء وبوز السيارة محطم، قلت له، قلقي وأنت غائب بها، أصعب عليً من رؤيتها وهي محطمة. ثم صرخت فيه، كيف يجيلك قلب، تأخذ سيارة واحد، وأنت لا تعرف السواقة، وصاحبها ما هو قاعد جنبك؟.