عبد المجيد المهيلمي: تمديدستان وتوريثستان” 1 ” الصورة الناطقة

ملهمة تلك الصورة الرئاسية التي نشرت بالصحف (قبل أن تصل إليها الأيدي التعبيرية  للمحررين الحكوميين) عقب قمة سرت الأخيرة والتي يظهر فيها الأخ العقيد قائد الثورة الليبية (ولا تقل الرئيس الليبي) منذ الفاتح من سبتمبر 1969 شبه محمولا على أكتاف أخويه، متكأ بذراعه على الرئيس محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية منذ 14 أكتوبر 1981 (أطول ملوك ورؤساء مصر حكما منذ محمد علي باشا) من ناحية، وبذراعه الآخر على فخامة الأخ الرئيس على عبد الله صالح الذي تحمل مسؤولية قيادة اليمن منذ 17 يوليو 1978 من الناحية الأخرى.

وبدا لنا الثلاثة بالصورة منهمكين في الضحك بشكل هستيري وأساريرهم منشرحة ومنفرجة على الآخر. ولما لا فالثلاثة فترات حكمهم هى الأطول في العالم العربي، وهم منشغلون بإعداد أبناءهم لتقلد الحكم من بعدهم.

وصلتني الصورة في بريدي الإلكتروني من أحد المصريين وقد فطن بذكائه عن سبب الفرحة الكبيرة للرؤساء (ذلك أن ما أسفرت عنه القمة لا يبعث أبدا على الفرح والسرور بل يجلب الاكتئاب) فكتب معلقا عليها بلسان الرئيس مبارك:”ابني هايبقى رئيس” ليردد من بعده مؤسس الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى وملك ملوك افريقيا: “وابني” كذلك ، ثم فخامة رئيس اليمن (بلاد العرب السعيد سابقا): “وابني” أنا أيضاً.

وقد تخيلت من جانبي صورة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد رحمه الله، الذي حكم سوريا لمدة ثلاثين عاما وفوق رأسه هالة يقول لهم:” أما أنا فابني أصبح رئيسا بالفعل”. إنه لشئ مفرح حقا لأي أب أن يرى ابنه رئيسا للجمهورية.

ومن هنا أقترح إقامة منظمة، بل ليست منظمة. مجموعة، عفوا لا.  بل “نادي تمديدستان وتوريثستان” يضم الدول التى تتمتع بالاستقرار في القمة بجلوس الرؤساء على كراسيهم حتى آخر نفس وآخر نبض لهم أو لشعوبهم (أيهما أطول)، وزيادة في الاستقرار تمرير كرسي الرئاسة إلى أحد الأبناء.

النادي حقيقة هو الأسم الأنسب لهذا التجمع. ذلك إذا قلنا منظمة، فإن الكلمة توحى بوجود هيكل تنظيمي وإداري ورؤيا ورسالة وأهداف يراد تحقيقها، وهو ما لا يتوفر هنا، وإذا اطلقنا عليه مجموعة على غرار مجموعة السبع أو مجموعة العشرين مثلا، تواجهنا معضلة تتعلق باستحاله تحديد العدد مسبقا بدقة، أما النوادي فأبوابها تظل دائما مفتوحة أمام انضمام أعضاء جدد متى توفرت فيهم شروط العضوية وهو ما ينبغى أخذه في الحسبان مع الغياب الكامل لوعي شرائح كبيرة من الشعوب العربية، فهل تتفقون معي أن النادي أكثر الكلمات ملائمة؟ النادي أولا هو المكان الذي يقصده الأصدقاء والأحباء لقضاء وقت ممتع، كما أنه مكان يقوم به الأباء باصطحاب أبناءهم للعب والتسامر، والنادي ثالثا مكان يتم فيه اكتشاف مواهب الأبناء وصقلها عن طريق الممارسة والتحول من مجرد هواة إلى محترفين، كما توجد بالنوادي أماكن للتدريب على القفز فوق الحواجز والموانع وهو شئ ضروري يجب أن يتقنه كل من تغمره الرغبة في التحكم في مصائر شعوبهم بغض النظر عن مصالح هذه الشعوب.

وإذا كان لنا – نحن العرب –  شرف تأسيس النادي (أربع جمهوريات عربية مؤهله للانضمام مباشرة، أو إن شئت الدقة قل ثلاث جمهوريات زائد جماهيرية) فإنه لا ينبغي حصر العضوية فقط على العرب، بل يجب إفساح الطريق لكي تنضم إليه دول أخرى غير عربية تنطبق عليهم شروط العضوية مثل كوريا الشمالية وكزاكستان وتوجو وغيرهم. ويكفينا فخرا الريادة في هذا المجال، وأن غالبية الأعضاء بالنادي من الدول العربية.

عندما يقبع أي رئيس بالسلطة لسنوات وسنوات ثم سنوات تتحول الدولة رويدا رويدا إلى ضيعة تمتلكها أسرة الرئيس ويتحكم في العباد زوجته وأولاده الذين يكونون فعليا دائرة حكم صغيرة تحيطها دائرة أكبر قليلا تتسع “للأتابكة” (وهو موضوع سنعود إليه تفصيلا فى مقال لاحق) والمنتفعين وخدمة السلطان بآلقابهم الرسمية ومسمياتهم المختلفة. ويمكننا هنا ضرب أمثلة عديدة: من فلبين فرديناد ماركوس الذي كان رئيسا للبلاد لأكثر من عشرين سنة وإميلدا زوجته الجميلة التي تركت ورائها بعد هروبهما من القصر الرئاسي 15 معطف فرو، 1000 حقيبة يد و3000 زوج حذاء؛ إلى أندونيسيا سوهارتو الذي أجبر على الاستقالة في مايو 1998 بعد ثلاثة عقود كرئيس، وقد قدرت ثروته عندئذ بأكثر من 15 بليون دولار، منها 9 بليون دولار كانت مودعة في بنوك أجنبية، وكان سوهارتو وعائلته يتحكمون في 25 مؤسسة تمتلك حصص في عشرات الشركات بكافة قطاعات الأعمال؛ ورومانيا نيكولاي تشاوشيسكو الذي أطاحت به ثورة شعبية عارمة وتم إعدامه هو وزوجته ألينا في ديسمبر 1989 بعد تقلده الرئاسة لمدة 15 سنة عم فيها الفساد وبني فيها قصره الأبدي الذي لم يحميه من غضب الجماهير، والمعروف أن ابنه نيكو شاركه التسلط على رومانيا دون وازع؛ أما عراق صدام حسين الذي حكم بلاد ما بين النهرين 24 سنة فمعروفة قصصه وفضائح نجلاه عدي وقصي. نهايات كل هؤلاء معروفة للكافة ولن نخوض في تفاصيلها. إن دروس التاريخ لا تخطئ أبدا وهو دائما ما يكرر نفسه. فهل يتعظ أهل السلطة بنادي تمديدستان وتوريثستان؟

[email protected]