د.نادر فرجاني: خيانة المثقفين في الوطن العربي، بالتركيز على حالة مصر

دور المثقفين في الحركة المجتمعية

المثقفون هم أهل الآداب والعلوم والفنون في المجتمع.

ويعنينا هنا على الخصوص الدور المجتمعي للمثقفين، فئة وأفرادا، في الحركة المجتمعية.

إذ يشكل المثقفون شريحة اجتماعية متميزة، خاصة في منظور إنتاج المعرفة، الصريحة عبر الانشغال بالعلوم أو المضمرة في الإبداع الأدبي والفني، ما يسهم في تكوين الوعي والنموذج المعرفي للمجتمع بأكمله. وتزداد أهمية شريحة المثقفين في البلدان النامية الطامحة إلى النهوض، خاصة في عصر المعرفة الذي تعيشه البشرية. وتعظُم مساهمة المثقفين في النهضة عندما يكوِّن المثقفون، أو شريحة منهم، نخبة أو طليعة مجتمعية، تسمي حينها، في المصطلح الأجنبي، “انتليجنسيا”، تتوفر على صياغة مشروع للنهضة وتقوم على تحققه، وسنستعمل، للاختصار، باللغة العربية، مصطلح النخبة للدلالة على المصطلح الأجنبي “الانتليجنسيا”.

المثقفون، والنخبة، والدور المجتمعي في الفكر الماركسي

يستدعي اعتبار الدور المجتمعي للمثقفين فورا المساهمة المحورية للمفكر الماركسي أنطونيو جرامشي عن “المثقف العضوي” في عمله الشهير “مذكرات السجن”.

عرَّف جرامشي المثقف العضوي على أنه المثقف المرتبط بالطبقة المهيمنة ويقوم بوظيفة المفكر والمنظم، للطبقة ولتكوينات المجتمع. ومن ثم يختلف المثقف العضوي عن المثقف التقليدي الذي يتصور، خطأً أو زيفا، أنه مستقل عن الطبقة المهيمنة.

وبيَّن جرامشي أنه لن يتسنى كسر الأغلال السياسية للهيمنة التي تقيد المجتمع كله وتكرس الواقع الراهن إلا من خلال تأسيس هيمنة مضادة تتبلور عندما يصبح للطبقة العاملة مثقفيها العضويين. هؤلاء المثقفين العضويين للطبقة العاملة يأتون من صفوف الطبقة ذاتها، ويبقون فيها، عاملين من أجل قيام الهيمنة المضادة من خلال الانشغال بالفعل المجتمعي وقيادته. وعليه، فإن مثل هذا المثقف العضوي للطبقة العاملة يزاوج بين النظرية والفعل. وأهم مثل على هذا الصنف من المثقفين العضويين، في حالة مصر مثلا، هو قيادات الحركات العمالية ذوي الأفق السياسي الأرحب من المطالب النقابية الضيقة.

وهذه التفرقة بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي محورية حيث يزعم مفكرون ماركسيون (كاوتسكي مثلا) وجود عداء بين الطبقة العاملة والمثقفون، كشرائح مجتمعية. حيث يعادي غالبية المثقفين، خاصة من ينتمون إلى الشرائح المجتمعية الوسطى، والذين يتبنون قيم المجتمع “البرجوازي” طبقة “البروليتاريا”.

ويرجع هذا العداء إلى فروق موضوعية. فالعامل الفرد لا قيمة له ويكتسب هويته وقوته ومستقبله فقط من انتماؤه التنظيمي، أما المثقف فيحصل على موقعه المجتمعي بسبب قدراته الشخصية. كما يميل المثقف، بسبب تعليمه الأوفر، لأن يتصور نفسه أفضل أو أرقى من العامل.

وحيث تكون غاية المثقف التقليدي تحقيق ذاته الفردية، يحتقر فكرة إخضاع الفرد لغاية مجتمعية أسمى ما يجعله غير مؤهل للمساهمة الفعالة في الصراع الطبقي للطبقة العاملة.

مثقف المتسلط ومثقف الشعب في الوطن العربي

حيث لنا تحفظ منهجي مهم على تطبيق التحليل الماركسي التقليدي على البلدان العربية، وحيث اختزل الحكم التسلطي في ثلة تحتكر السلطة السياسية والثروة حول متسلط أوحد عادة ما يمتلك سلطات مطلقة، نرى أن بدائل موقف المثقف في البلدان العربية تتمحور حول خدمة المتسلط، ومن ثم ثلته، على جانب، وبين خدمة المصلحة العامة لجماهير الشعب، ومن ثم النهضة، على جانب آخر. ويستدعي الجزء التالي مضمون مقال نشرته منذ ربع قرن (مثقف الأمير أم مثقف الجماهير، المستقبل العربي، أكتوبر 1984)، ردا على دعوة سعد الدين إبراهيم إلى “تجسير الفجوة بين المثقف والأمير”، ومازال مضمونه صحيحا إلى حد بعيد.

بداية، تجب الإشارة إلى أن الدعوة المذكورة قد انتصرت إلى حد بعيد في المحيط العربي بحيث استشرى التحاق المثقفين بخدمة الحكم التسلطي في البلدان العربية، وأصبح صاحب الدعوة نفسه من أشهر المثقفين في البلدان العربية، وأشدهم حضورا في المحافل الثقافية المتعلقة بالمنطقة خاصة تلك المنعقدة في الغرب أو في المنطقة برضا أو برعاية غربية. ومن ثم فإن الجدل حول الدعوة ما زال معاصرا في مجال مناقشة دور المثقفين في النهضة في الوطن العربي.