د.إيمان يحيى: الحرس بين “الجامعة” و”السلخانة”

جاء حكم القضاء المصرى النهائى بإلغاء الحرس الجامعى و انهاء وجود قوات الشرطة داخل الجامعات ليعلن عن بدء مرحلة جديدة من نضال الجامعيين المصريين ضد التدخلات الأمنية فى شئون الجامعة المصرية. تلك المرحلة قد تنهى مشاهد “السلخانات ” التى شهدتها الجامعات المصرية فى السنوات الأخيرة، عندما تم استخدام العنف غبر المبرر ضد الطلاب من قبل رجال الشرطة بملابسهم الرسمية داخل حرم الجامعات.  لكن ذلك لا يعنى انهاء التدخلات الأمنية و اعتدائها المستمر على استقلال الجامعة ، كما أنه أيضاً لا يضمن عدم الاعتداء البدنى على الطلاب داخل جامعاتهم.

و لعل من المفيد هنا القاء الضوء على استخدام العنف البدنى داخل حرم الجامعات المصرية ضد الطلاب، ذلك العنف الذى بدأ منذ أواسط الأربعينيات من القرن الماضى ، عندما اقتحم “سليم زكى” حرم كلية طب القصر العينى بمدرعته و بمعاونة بلوكات النظام فجاءت نهايته على يد طالب من “الاخوان المسلمين” ألقى بقنبلة يدوية عليه من سطح مبنى الفسيولوجى الأكاديمى، ثم طل برأسه مرة أخرى عقب ثورة يوليو 1952 باشتباكات بين طلاب “جبهة التحرير” التابعة للثورة و طلاب الاخوان المسلمين أثناء استقبال  “نواب صفوى” زعيم تنظيم “فدائيان اسلام” الايرانى المعارض للشاه فى يناير 1954. و طوال الفترة مابين 1954 و نهاية السبعينيات من القرن الماضى ظل الحرم الجامعى بمنأى عن استخدام العنف ضد الطلاب داخله. حتى أثناء الانتفاضات الطلابية فى 1972 و 1973 كانت الاشتباكات بين الشرطة و الطلاب تحدث خارج الحرم ، حينما يخرج الطلاب من بوابة جامعاتهم.

فى نهاية السبعينيات بدأ العنف البدنى يطل من جديد داخل حرم الجامعات المصرية، و لكن هذه المرة على أيدى طلاب الإخوان و الجماعة الاسلامية ضد الطلاب المعارضين للرئيس السادات. جاء العنف هذه المرة بتعاون واضح وتأييد من رجال الأمن و التنظيم السياسى و عبر استخدام الجنازير الحديدية و المطاوى و السكاكين . سالت الدماء و ظهر تعبير “السلخانة” بدلاً من “الجامعة” لأول مرة . وفى عام 1981 أعاد الرئيس “الحرس الجامعى” الى الجامعة بعد أن ألغاه فى عام 1971 . كان تواجد “الحرس” هذه المرة مختلفاً عن تواجده فى الفترة الناصرية، أصبحت قبضة الأمن عبر “الحرس” أكثر غلظة و خشونة. ظهر ذلك عندما أضرب طلاب جامعة المنصورة لمدة أسبوعين كاملين فى عام 1984 عقب الاعتداء بوحشية على أحد الطلاب فى مكتب حرس الجامعة ، و تكررت أحداث التحرش و الاعتداء البدنى على طلاب مخـتلف الجامعات منذ ذلك الحين من قبل رجال يرتدون الزى الرسمى لرجال الشرطة و يتبعون مباشرة لوزارة الداخلية. و لعل مصادفة توقيت صدور حكم المحكمة الادارية العليا مع تتابع أحداث الاعتداءات و التحرشات البدنية من قبل “الحرس الجامعى” و طلاب و طالبات مختلف الجامعات المصرية هذه الأيام تكشف عن عمق التدخلات الأمنية العنيفة و التى أصبحت لا تأبه باخفاء علامات الرتب و الزى الرسمى .

هلى يعنى صدور الحكم و تنفيذه انتهاء استخدام العنف ضد الطلاب داخل الجامعة المصرية؟ بالطبع.. لا، فهناك تراث من تجارب أمنية عديدة لاستخدام البلطجية و أصحاب السوابق ضد طلاب الجامعات المصرية و لعل أحداث جامعة عين شمس فى عامى 2006 و 2009 و فى حضور و مباركة “الحرس الجامعى” خير دليل على امكانية استمرار استخدام العنف ضد الطلاب بمن لا يرتدون الزى الرسمى للشرطة.

التدخلات الأمنية بالطبع لا تقتصر على العنف ضد الطلاب و أنشطتهم، بل انها تمس العملية التعليمية و أنشطة البحث العلمى فى الصميم. بدءاً من أخذ موافقة الحرس الجامعى على تشكيل لجان مناقشة الرسائل العلمية مسبقاً فى بعض الجامعات ، مروراً بالتحكم فى الانشطة الطلابية و تعيين العمداء و الوكلاء و المناصب الجامعية الأعلى ، و صولاً الى اشتراط الموافقة على سفر أعضاء هيئة التدريس فى المهام العلمية للخارج. لن أنسى ماحييت مارأيته على جدران احدى كليات الطب باحد الجامعات الاقليمية عندما وجدت مجلة حائط لأسرة طلابية رائدها قائد الحرس بالكلية و ليس أستاذاً جامعياً !

الانتصار الذى حققته الجامعة بهذا الحكم التاريخى و بفضل أساتذة جماعة 9 مارس، المجموعة المدافعة عن استقلال الجامعات، لا يعنى انهاء التدخلات الأمنية فى شئون الجامعة ، و لا يعنى اختفاء ظاهرة استخدام العنف ضد الطلاب، و لكنه خطوة أولى على الطريق.