أحمد محجوب: عن الدم الذي أضحك الرئيس

في استاد القاهرة حيث تجمع عشرات الآلاف من محبي “الساحرة المستديرة”، كان الرئيس يضحك ربما للمرة الأولى منذ توليه زمام “الأبعدية” قبل 30 عاما، كان يضحك فتنخفض قلوب 18 ألف معتقل سياسي.. ويلوح، فيتحرك مئات الآلاف من جنود “البلوك” يسحلون المتظاهرين في شوارع العاصمة، كان الرئيس يضحك، ومجانين الكرة يضحكون، وأسماك القرش في البحر الأحمر تبدأ وليمة الموت.

1034 مواطنا جمعهم الفقر في طريق لقمة العيش، وألقتهم أوضاع لا تطاق في “بلاد العم جاز”.. 1034 مواطنا حشروهم في ميناء ضبا السعودي، على متن عبارة إنتهى عمرها الافتراضي، وبينما كان الرئيس يتابع “إنجازات” قطعة جلد منفوخ في الملعب، كان 1034 مواطنا يستريحون أخيرا من هم الوصول، وذل العودة، ويبتعدون في أعماق المياة عن “الرجل الضاحك بسلامته”.

2-

في 2005 حين قرر مبارك أن يكون “ديموقراطي على كيف كيفك”، قادته مصادفة أمنية، لمنزل “نفر شرطة” ليشرب فيه كوبا من “الشاي المعد خصيصا” للباشا. ذهب مبارك في بداية مسرحية الانتخابات ليعلن عن نفسه كقائد “بحبوح” يعشق اللمة، ويضمن “الشاي” للجميع، في 2005 كان على الرئيس أن ينزع ربطة العنق، وكان عليه أن “يكركر” فيما ينهش السمك أجساد 1034 مصريا في البحر الأحمر.

بعد 4 أعوام من “أول بسمة رئاسية”، زار مبارك قرية في أعماق سوهاج.. طلب كوبا من الشاي “بالإرادة الحرة” كما يفعل مصاصو الدماء في قصص الرعب، أتاه الكوب، فسأل عن المواصلات، ليخبره المواطن أنه يعبر النيل يوميا في عبارة. يرد الرئيس “من اللي بتموت الناس دي؟” وأبتسم ثانية.

الدم الذي أضحك الرئيس لم يكن لمرتشين يعرفهم “بيسماهم” من أثر “الهبش”، ولم يكن لحملة مباخر يروجون لـ”السحت”، لم يكن “دم ملكي” كي يعزي الرئيس، ويهرول الوريث ويكتسي الإعلام بالسواد. كان المبكي ، دمنا العادي البسيط لدرجة أن أحدا لا يراه، عاديا لدرجة أنه يثير ضحك عجوز تكلس تحته الوطن.

الدم الذي أضحك الرئيس، وأسعد “قروش” البحر و”الشورى” لم يكن منه بد، “البزنس” لأصحاب الحظوة، و”العضوية” لملوك “القتل”، وأكياس الجثث لمن حاول أن يهرب من الهولوكست الوطني الديموقراطي. كان دمنا يطلي ميناء سفاجا، والرئيس يضحك في المدرجات، كانت ألف أم وألف أخت وألف زوجة وألف طفلة يبكين ضحايا سفينة الوطن، بينما الرئيس يضحك في المقصورة الرئيسية لإستاد القاهرة.

3-

سيادة الرئيس، لست بحاجة لإنتخابات مزورة، ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بسقوطنا المستمر تحت حكمكم “الضاحك”.. لسنا بحاجة لأفلام إنتخابية هابطة لنعرف أنك “قادم قادم”.. لسنا بحاجة “لنكتك” الرديئة على دمنا المهدور.. لسنا بحاجة لإعلامك الخاضع، ومنظريك “الأرزقية”، ومحاسيبك “الأشداء”.

سيادة الرئيس  الف مواطن مازالوا يبحثون عن الإبن الضائع، والزوجة الغارقة ، وجثة الإبن الممزقة.. سيادة الرئيس، دع لنا الحزن فقد تعودنا عليه .. دع الجرح ساكنا فقد سكب الجميع فيه الملح .. دع الأرملة تنسى، والطفلة تكبر، والأم تجفف دموعها كي لا تموت من الحسرة.

سيادة الرئيس .. لا أضحك الله سنك