حاتم حافظ : في المسألة القبطية

“أبناء الفراعنة المحدثون”.. واحد من  الكتب التي يمتن المرء لأن المصادفة أوقعته في طريقه فقرأها. الكتاب الذي ذُيّل عنوانه بعنوان فرعي “دراسة لأخلاق أقباط مصر وعاداتهم” كتبه إس إتش ليدر، وهو كاتب انجليزي قُدّر له أن يعيش في مصر في بدايات القرن الماضي، وهو على اهتمامه بالتاريخ المصري ـ والقبطي بشكل خاص ـ كان ـ فيما يبدو من الكتاب ـ مهتما ـ بجدية وإخلاص شديدين ـ بفهم المصريين على النحو الذي هم عليه ـ وقتها ـ وليس على النحو الذي صاغه المستشرقون. لهذا فجنبا إلى جنب الملاحظات العديدة التي يُعلق بها ليدر على طبائع المصري وهي طبائع فيما يبدو متوارثة عن الجدود المخضرمين في التاريخ، نجده مهتما بفهم المسألة القبطية في تاريخيتها، أي في ظرفها التاريخي والاجتماعي. وهو يفعل ذلك بموضوعية شديدة لا تتجاوز فحسب الأفكار التي أمكن النظر إليها باعتبارها الحقيقة، بل إنها أيضا تتجاوز الخطاب الرسمي لبني جنسه من الإنجليز الذين كانوا حتى ذلك الوقت يضعون مصر تحت حمايتهم الاستعمارية.

الملفت للنظر أن ليدر يُدين السياسة الاستعمارية الإنجليزية بشدة ويُحمّلها مسئولية ما أسماه “الصدع بين المسلم والقبطي”. ورغم أنه في أماكن عديدة من الكتاب يُصر على التأكيد على نفي أي من الأكاذيب التي كان يُروّجها الكُتاب الغربيين عن الفتنة الطائفية بين عنصري الأمة فإنه يؤكد أن بذرة الطائفية قد وَجَدت من دسها في التربة المصرية بإيعاز من الإحتلال في بعض الأحيان أو من خلال الإحتلال نفسه في أحيان كثيرة. فهو بينما يؤكد مرارا وتكرارا على التقدير الذي يُكنه المسلمون لرجال الدين المسيحي والأعياد المسيحية بل وللمقدسات المسيحية نفسها، فإنه يؤكد أيضا أن الإنجليز قد تعاملوا مع أقباط مصر ليس بحذر فقط وإنما بسوء ظن كذلك، مشيرا إلى اعتقاد القائمين على الإحتلال أنهم بمجاملة المسلمين سوف يُسهّلون على أنفسهم مهمتهم في مصر، مشيرا أيضا أن أقباط مصر كانوا ـ منذ محمد علي ـ شركاء في المناصب العليا في الدولة المصرية الحديثة، وهو ما أنهى الإحتلال استمراره.

يُعلق ليدر على سياسة “فرق تسد” التي وضعها الإنجليز (مستثنيا فترة اللورد كرومر)، والتي دعّمها الكتاب الغربيون الذين غذّوا لدى الأقباط أفكارا من قبيل “إن العربي غاز في مصر” و”إن المصريين الحقيقيين هم الأقباط المسيحيين” وهو ما أسماه بإحياء “كراهية المسلمين بالتركيز على الماضي”. فيما استعار شهادة كرومر نفسه في كتابه “مصر المعاصرة” والتي قال فيها “إن الفرق الوحيد بين المسلم والقبطي أن المسلم مصري يتعبّد في الجامع والقبطي مصري يتعبّد في الكنيسة”.

والحقيقة أن المرء ليشعر بالمرار بينما يقرأ الفقرات التي كان يشير فيها ليدر لعمق العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، هذا العمق الذي أزال أي حرج عن قيام مسلمين ببناء كنائس وعن تطوع أقباط لبناء مساجد، والذي دفع المسلمين لاستجداء البركة من أحد القساوسة لأنه ـ بتعبير مصري مسلم ـ رجل طيب!. بل إني لأشعر بقدر الحماقة التي وصلنا إليها حين أقرأ أنه في عام 1808 اجتمع رجال الدين الإسلامي ورجال الدين من الكنيسة القبطية والكنائس الشرقية الأخرى مع الحاخامات اليهود في جامع عمرو بن العاص مشتركين في صلاة جماعية لاستعادة فيضان النيل الذي تأخر عن موعده، رافعون أصواتهم بالصلاة مصرية الأصل “كيرياليسون” جنبا إلى جنب “الله أكبر”، في وقت لم يكن هناك حرج لمسلم أو لقبطي في اعتبار أن الله واحد ولكنه يُعبد بصور متعددة.

طبعا لن تمحو كل هذه المواقف التي يوردها ليدر سنوات الاضطهاد التي شهدها أقباط مصر، حين مُنعوا من استخدام أجراسهم في كنائسهم وفُرض عليهم ارتداء الألوان الداكنة، وأشياء أخرى يشعر الإنسان بالخزي لمجرد أن أسلافه قد فكروا فيها. ولكن ما يعنيني هنا التاريخ المعاصر للمسألة القبطية، الذي يبدو أن الاستعمار الإنجليزي كان فاعلا أصيلا وأساسيا في صناعته، يقول ليدر “يعود تاريخ الصدع بين المسلم والقبطي إلى فترة الاحتلال فحسب، فالطائفتان ليس بينهما عداوة فطرية أو متأصلة وهو ما أثبته التاريخ مرارا وتكرارا” ويضيف “يشكو الأقباط من الاحتقار الذي تعاملهم به الطبقات الرسمية الإنجليزية، ومن نفاد صبر أبناء بلدهم المسلمين، ويبدون عاجزين تماما عن تصور أنهم مسئولون إلى حد كبير عن عدم الثقة التي أوصلتهم إلى هذه النتيجة”. فيبدو أن الأقباط كانوا ـ وما زالوا في رأيي ـ نتيجة لعصور من الإضطهاد من جهة ولتكريس فكرة التفوق التي قام بها المستشرقون من جهة ثانية ـ يتعاملون مع الآخر بحذر شديد وبعدم ثقة مبالغ فيه، لدرجة أنهم ـ تبعا لليدر ـ لا يقولون الحقيقة مطلقا في كل الحالات، مفضلين إخفاء الحقيقة بل وإخفاء أنفسهم أيضا، وهو ما يمكن ملاحظته الآن من تضارب أرقام التعداد الخاص بهم أو في الانعزالية التي تسم معظمهم.

ليست كل هذه ذرائع بالطبع للمسألة القبطية في وضعها الحالي والتي لم تتحسن كثيرا عن فترة الاحتلال إن لم يكن نظام يوليو ـ ما بعد 1970 ـ قد زادها سوءا، ولكنها إضاءة لمسألتين أراهما في غاية الأهمية، المسألة الأولى تتعلق بإعادة النظر في جذر الصدع بين المسلم والقبطي واستعادة التدين المصري التلقائي الذي صاغ نسختي المسيحية والإسلام فجعلهما قبطيتين ـ أي مصريتين ـ بشرطه الحضاري، والمسألة الثانية تتعلق بما أسميته في مقال سابق “نظرية الدائرة المغلقة” التي يصر الأقباط على إخفاء أنفسهم فيها ـ وبها ـ منعزلين طواعية عن الانفتاح على العمل العام والشأن السياسي مفضلين بالطبع الموقف الرسمي للكنيسة على تبني وجهات نظر علمانية فردية بعيدا عن الكنيسة وعن الانتماء الطائفي أيضا.

وأخيرا فإن الأكثر لفتا للنظر في الكتاب هو هذا الوعي الشديد من طرف ليدر بما يمكن أن يكون علاجا ليس فحسب للمسألة القبطية أو للمسألة الطائفية في مصر وإنما للمسألة المصرية ككل، يقول ليدر “إذا ظهر في مصر في يوم من الأيام الرجل القوي الذي لديه طموحات لتحقيق النهضة الروحية للأمة، دون اهتمام خاص بأي من الإسلام أو المسيحية، فمن المتوقع أن يصحح هذا الرجل بكل ثقة وضع الشعب القبطي” بل إن ليدر يبدو ـ في بدايات القرن العشرين وقبل عام واحد من ثورة 1919 ـ شديد التفاؤل إذ يُنهي كتابه قائلا “إني على ثقة وأؤمن باقتناع شديد بأن كلا من الطموح والرجل سوف يأتي، عندما يحين الوقت. ويرى الذين يعرفون شيئا عن روح مصر أن هناك دلائل كثيرة تبشر بهذا المحصول النادر الذي سيحصد في أوانه”. فهل يأتي هذا الرجل أم أن الطموح لم يكف بعد؟!