حسين عبد الرازق يكتب: انتخابات مجلس الشعب بين المشاركة والمقاطعة

للمرة الأولى منذ انتخابات مجلس الشعب عام 1990 التى قاطعتها أحزاب وقوى رئيسية فى ذلك الوقت ، يتقدمها حزب الوفد وحزب الاحرار وحزب العمل وجماعة الاخوان المسلمين، تعود قضية المقاطعة لتحتل مساحة كبيرة من الاهتمام والجدل والنقاش داخل الأحزاب الرئيسية وبين الأحزاب والقوى والجماعات السياسية وفى الصحافة والاعلام، ويستمر هذا الاهتمام والجدل طوال عام 2010 وحتى اليوم عشية فتح باب الترشيح لانتخابات مجلس الشعب المقرر اجراؤها فى 28 نوفمبر الحالى.

وطبقا لما هو معلن فقد استقرت أحزاب التجمع والوفد والناصرى وجماعة الاخوان المسلمين وحزب الكرامة ومجموعة الأحزاب الصغيرة (الشعب –الوفاق- الأمة- المحافظين- الاتحادى الديمقراطى- مصر العربى الاشتراكى-الجمهورى) على المشاركة فى الانتخابات ، إلى جانب الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم.

بينما قررت أحزاب الجبهة الديمقراطية والشيوعى المصرى والجمعية الوطنية للتغيير مقاطعة الانتخابات.

وأسست الأحزاب والقوى السياسية التى قررت المشاركة موقفها على أن الأحزاب المعارضة التى ترفع شعار التغيير تطرح برنامجاً بديلا لبرنامج الأزمة الذى طبقه الحزب الوطنى طوال 33 عاما ،وتؤكد اعتمادها للنضال الديمقراطى السلمى أسلوبا وحيداً للتغيير وترفض الأساليب والوسائل الانقلابية ، وتؤمن بالاحتكام للجماهير التى تملك وحدها تحديد خياراتها دون وصاية أو أبوية من أحد كالتجمع والوفد .. هذه الأحزاب لا تملك ترف الانسحاب من معركة جماهيرية وسياسية أساسية مثل معركة انتخابات مجلس الشعب . إضافة إلى أن الأوضاع مهيأة للمعارضة الجادة لتحقيق نتائج إيجابية فى ظل الرفض الجماهيرى الكاسح للحزب الوطنى وسياسته التى قادت البلاد إلى الفقر والبطالة والفساد وتدنى مستوى معيشة الغالبية العظمى من المواطنين خاصة العمال والفلاحين وغالبية الطبقة الوسطى ، وأدت إلى تراجع وتوقف التنمية . وغياب أحزاب الائتلاف الديمقراطى” التجمع- الوفد- الناصرى- الجبهة” قد يدفع الناخبين إلى مقاطعة التصويت أو التصويت للاخوان المسلمين أو حتى للحزب الوطنى فى ظل هذا الخيار المغلق ،والنتيجة فى الحالتين كارثة واستمرار لسياسات الأزمة . ورغم صحة القول بأن الحكم القائم إحترف تزوير الانتخابات العامة منذ عام 1976 مع بدء التعددية الحزبية المقيدة، وأن الانتخابات القادمة تحديدا ستشهد تزوير فاضحا يفوق كل ما سبق ، نتيجة لإلغاء الاشراف القضائى فى التعديلات الدستورية الأخيرة(2007) ،ولوجود قرار سياسى بالسعى لاسقاط جميع مرشحى الاخوان المسلمين بكل الطرق الممكنة .. إلا أن الحكم فى حاجة ماسة أمام الرأى العام وأمام الخارج لوجود المعارضة المدنية ، وبالتالى فهو مضطر إلى أن يسمح للمرشحين الذين سيحققون الفوز فى الانتخابات القادمة من الأحزاب المدنية المعارضة والمستقلين بالنجاح طالما أنهم لا يهددون فى جملتهم أغلبية الثلثين فى مجلس الشعب . إضافة إلى أن الانتخابات العامة فرصة لا تتكرر إلا كل خمس سنوات لكسر الجصار الأمنى والقانونى المفروض على الأحزاب والاتصال المباشر بالجماهيروشرح برامج الحزب ومواقفه وكسب التأييد وعضوية جديدة خاصة بين الشباب.

أما القوى والأحزاب التى قررت أودعت لمقاطعة انتخابات مجلس الشعب 2010 فقالت أن المقاطعة حرمان للحزب الوطنى الذى يحتكر السلطة منذ عام 1978 من تقديم غطاء ديمقراطى عن طريق انتخابات عامة مزيفة تفتقر إلى النزاهة والحرية. وإذا كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة قد شهدت تزويراً واسعاً، أدى إلى أن حزب الوفد رشح 120 مرشحا ومرشحة لم يسمح إلا بفوز 6 منهم بنسبة5% وحزب التجمع الذى رشح52 مرشحا ومرشحة لم يسمح إلا بفوز 2 منهم بنسة 8ر3% ، فالمؤكد أن الانتخابات الحالية (2010) ستشهد تزويراً أوسع وأخطر فى ظل غياب الاشراف القضائى تماما. ولن تستطيع الأحزاب المدنية مواجهة الانفاق المالى الهائل المتوقع فى هذه الانتخابات، ولامواجهة بلطجة أجهزة الحكم والأمن وبلطجة مرشحى الحزب الحاكم ، خاصة بعد أن أصبح العنف واستخدام القوة والسلاح والمال ظاهرة مصرية فى جميع نواحى الحياة. والرهان على أن تكون المعركة الانتخابية فرصة لكسر الحصار واللقاء بالجماهير رهان خاسر، فتجذر الدولة البوليسية و تصاعد دور أجهزة الأمن وحجة تصدى الحكم لاسقاط الاخوان المسلمين سيؤدى إلى تحزيم الانتخابات وحصار المرشحين من كل الاتجاهات عدا الحزب الوطنى،وفرض قيود على عقد المؤتمرات والمسيرات الانتخابية وتوزيع البيانات وملاحقة الاعضاء والانصار والمندوبين واحتجازهم فى ظل حالة الطوارىء المعلنة. وسيدفع هذا المناخ غير الديمقراطى السائد والمتصاعد ملايين المواطنين إلى الامتناع يوم الانتخابات عن الذهاب إلى مراكز التصويت ومقاطعة الانتخابات عمليا . وغياب الناخبين- لم يصوت إلا24% من المقيدين فى الجداول فى انتخابات 2005- فرصة ذهبية للتزوير. والرهان على حاجة الدولة إلى المعارضة المدنية داخل مجلس الشعب قد يكون رهاناً خاسراً، فطالما هناك مرشح من الحزب الوطنى يخوض المعركة أمام مرشح من حزب معارض أو مرشح مستقل ، وبصرف النظر عن رغبات أو حسابات الحكم ،فسيلجأ مرشح الحزب الوطنى لاستخدام المال والبلطجة وعلاقاته بالأجهزة التنفيذية للتزوير لحسابه الخاص لضمان فوزه بعضوية مجلس الشعب.

وبصرف النظر عن صواب أو خطأ الحجج التى يقدمها أنصار المشاركة وأنصار المقاطعة، فالقضية الجوهرية هى مدى تأثير هذا الموقف أو ذاك على قضية التغيير .

فالاكتفاء باعلان مقاطعة الانتخابات والهجوم على الأحزاب التى قررت المشاركة وتخوينها ،واعتبار ذلك هو     قمة النضال والثورية ، دون وجود برنامج للحركة من أجل هزيمة التزوير وتوفير ضمانات الانتخابات الحرة النزيهة طبقا للمعايير الدولية والغاء حالة الطوارىء المعلنة منذ 30 عاما، فهو موقف سلبى للغاية يصب فى النهاية لصالح استمرار الأوضاع الحالية.وللأسف فهذاهو حال الأحزاب والقوى المقاطعة لانتخابات مجلس الشعب.

كذلك فخوض انتخابات مجلس الشعب اعتمادا على الوسائل والأساليب التقليدية ، مثل طرح البرنامج واستخدام وسائل الدعاية التقليدية ،وكسب تأييد العائلات والعشائر والقبائل ،دون طرح برنامج وحركة من أجل التغيير والتصدى للتزوير وهزيمته يؤدى إلى نفس النتيجة السلبية.

لقد قررت أحزاب الائتلاف الديمقراطى فى مؤتمر الاصلاح الدستورى “البديل الآمن للوطن” الذى عقد فى 13 مارس الماضى ، خوض معركة من أجل تعديل الدستور وتوفير الضمانات الضرورية لانتخابات حرة ونزيهة ومنع التزوير ،وأن لا تقتصر المعركة على البيانات والكتابة فى الصحف والمؤتمرات والندوات فى المقرات ،ولكن تعتمد على النزول للشارع وتوزيع البيانات وعقد المؤتمرات الجماهيرية خارج المقار والتظاهر السلمى والوقفات الاحتجاجية وتنظيم الجماهير وتحركها حول هذه المطالب الديمقراطية لتشكل قوة ضغط حقيقية على الحكم.

وللاسف فلم تتوجه أحزاب الائتلاف الديمقراطى لتفعيل  هذه المقررات، باستثناء حزب التجمع الذى عقد مؤتمراً جماهيرياً فى الشارع أمام مقر الحزب ،ونظم وقفة احتجاجية رمزية أمام مجلس الشورى يوم السبت قبل الماضى ، ضد ارتفاع الأسعار وللمطالبة بالغاء حالة الطوارىء وتوفير ضمانات الانتخابات الحرة النزيهة.

والوقت لم يفت بعد لتبدأ أحزاب الائتلاف الديمقراطى- المشاركة أو المقاطعة-معركة فى الشارع من أجل التغيير ،مستفيدة من الأسابيع القليلة الباقية على انتخابات مجلس الشعب ،وتواصل هذه المعركة بعدها وحتى انتخابات رئاسة الجمهورية فى سبتمبر2011.

فهل تفعلها قيادات هذه الأحزاب؟

أتمنى ذلك.