بلال فضل: المشكلة في الهيدّ!

بلال فضل

فجأة إنهار جهاز الفيديو الذي أمتلكه منذ عشرة أعوام بعد أن “دوِّبت” عليه أكثر من خمسة عشر نادي فيديو في مناطق متفرقة من القاهرة الكبرى وضواحيها وفروق التوقيت، وبعد أن شاهدت عليه عددا مهولا من أشرطة الفيديو دفعت عنها لأندية الفيديو غرامات تأخير قيمتها أكثر مما دفع أهلي على تربيتي، رحل صديقي الوفي وأنيس وحدتي بعد أن تعرض لإهانات مني لم يتعرض لمثلها مواطن في لجنة، يكفي أنه كان يعمل في أيام البطالة لأكثر من 16 ساعة في اليوم دون توقف، وياليته كان له الحق في أن يختار مايقوم بتشغيله، بالعكس فقد أجبرت الجهاز المسكين وهو من ماركة شارب على أن يشرب أحط الأفلام التي توصل إليها خيال الإنسان المريض، يكفي أنني شاهدت عليه الأعمال الكاملة لستيفن سيجال وسنتيا روزروك وميشون شيكربورتي ويوسف منصور، كل ذلك لأنني قرأت أن السينمائي الأمريكي الجميل كوينتين تارانتينيو كان مدمنا لمشاهدة الأفلام الرديئة وأنه كان يستمتع بها للغاية كمصدر إلهام، وكانت النتيجة أنني لم أصبح مثل تارانتيتيو ولم يتحمل جهاز الفيديو كل ذلك العناء.

أسمع منكم من يقول: طيب كيف تدعي أنه انهار فجأة بينما تعترف بكل هذه المرمطة التي تعرض لها في خدمتك، ولهذا الذكي أقول أنني كأي مواطن مصري صالح لابد أن يصف أي وكسة يتعرض لها بأنها حصلت له فجأة حتى لو كانت علاماتها تتعاظم أمام عينيه يوما بعد يوم، تغرق المياه أساس العمارة على مدى سنوات دون أن يتحرك أحد لوقف ذلك وعندما تنهار العمارة يولول الجميع لأنها سقطت فجأة، يعطي عبد الناصر الجيش لعبد الحكيم عامر لكي يرتع فيه هو ورجاله ثم يولول الجميع لأن الهزيمة حصلت فجأة، يخاصم السادات شعبه ويطيح فيه تطبيع واعتقالات وفساد ثم يستغرب الجميع كيف تم قتله فجأة، تسود الطرمخة في الأماكن السياحية بعد أن ينشغل الضباط بلم الغلة ومراعاة السبوبة ويولول الجميع لأن الحادث الإرهابي وقع فجأة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، إذن لماذا تستكثرون على العبد لله أن يقول أن “جهاز فيديوهه” إنهار فجأة، نعم أعرف أن علامات الوش والتشوش في الرؤية ظهرت منذ سنين وأخذت تزيد شيئا فشيئا، لكنني بعون الله لم أقف مكتوف الأيدي بل قمت بذلك الحل المصري العبقري المتمثل في فكّ الجهاز بالجهود الذاتية وتلطيخ قطنة ببعض من كولونيا الخمس خمسات ومسح الهيدّ بها لتسودّ القطنة، ثم تركيب الجهاز وإدّيها فرجة حتى يعود الوشّ ثانية وتزيد الشوشرة، ولامانع في حالة غياب القطنة من استخدام منديل كلينكس أو ورق بفرة أو حتى  ورقة زبدة، المهم أن تخلص المشكلة دون أن نتشال ونتحط ونذهب لأخصائي تصليح الأجهزة الذي نعلم جميعا في المنطقة أنه أساسا هجّام وأن فتحه للمحل جاء إستمرارا لعشقه لسرقة الأجهزة الكهربائية دفع بسببها من عمره سنوات في السجن قرر بعدها أن يتواصل مع الأجهزة الكهربائية كمدمر لاكحرامي، تذهب إليه بالجهاز فيقوم بالتحسيس عليه من الخارج وكأنه سيشقه بسكينة ثم يقوم برفعه رفعة نطر ناظرا إلى أسفله الذي ليس له أي أهمية ثم يقول لك بثقة “تعال الخميس إستلمه”، دائما يقول لك أن تأتي الخميس سواء ذهبت إليه يوم السبت أو الأربعاء، حتى لو أتيت الخميس سيطلب منك أن تأتي الخميس، وعندما ستأتي الخميس سيطلب منك أن تأتي الخميس الجاي ببائع روبابيكيا ليشتري الجهاز لأنه لم يعد يصلح للإستخدام. لاأبرر بواقعة مثل هذه قيامي بالتعامل مع جهاز “فيديوهي” بنفسي فلدي بدل الواقعة عشرين واقعة كلها تثبت أن ذلك كان الحل الوحيد لكي تمضي الحياة بعد أن أصبحت أنفق على إصلاح الفيديو بسبب كوارث مصلحي الفيديو أكثر مما أنفقته على شراء الجهاز “أشاسا”.

وعندما خذلني الفيديو في الأسبوع الماضي وأصبح غير “شارب” بالمرة، قمت بعملية قطنة المستقبل لمسح الهيد لكن القطنة كذبت عليّ وخرجت بيضاء من غير سوء، وظل الجهاز يخروش ويوشّ ويعرض صورة لايفوقها في الرداءة إلا صورة مصر في الخارج، لذلك اضطررت أن أبدأ التنقيب عن مصلح أجهزة كهربائية لم يسبق له دخول السجن، وماإن دلني أولاد الحلال على محل مهندس شاطر في شارع خلفي من شوارع وسط البلد حيث يعمل في صمت بعيدا عن الضرائب حتى هرعت إليه بجهازي وداخلني الإطمئنان عندما لم يقم بالتحسيس على الجهاز بل قام بفكه باحتراف، وزغر لي عندما قلت له آجي امتى أستلمه، بل شخط في وقال مش لما أشوف ماله الأول، تحولت الزغرة إلى نظرة كراهية عندما فتح الجهاز ورأى مابه من قاذورات حاولت أن أقول له أنها قاذورات فكرية مصدرها الأفلام التي أشاهدها لكنه لم يصدقني، وبعد أن قام بالتأمل في الجهاز بدقة وفحص أجزائه قال لي بصوت يليق بطبيب جراح “المشكلة في الهيد.. لازم تغيره”، سقط من نظري لأنه قال لي معلومة بديهية يعرفها أي طفل في بيتهم فيديو، قلت له “ماأنا عارف إن المشكلة في الهيدّ أصل أنا حاولت أمسحه كتير ماعرفتش وعشان كده أنا جايبهولك تمسحه”، نظر إلىّ بقرف وقال لي “ياأفندي لاعاد ينفع مسح ولاتلميع.. الهيدّ باظ ولازم تغير الهيدّ”، في تلك اللحظة التاريخية التي كان الباشمهندس يضع يده مخرجا الدودة من أصل شجرة الفيديو، كان التلفزيون الموجود في محله يعيد إذاعة خطاب تاريخي للرئيس مبارك إذا صح أن الرئيس له خطاب ليس تاريخيا، على عكس كلمات الرئيس الناضحة بالتفاؤل والأمل في قلب المحل، جاءت كلمات الباشمهندس القرفان ناضحة بالبؤس والتشاؤم ” ياأفندي لاعاد ينفع مسح ولاتلميع.. الهيدّ باظ ولازم تغيّر الهيدّ”، ظن الرجل بي سوءا عندما هجمت عليه أحتضنه وأقبله بحب كأنه جاب لي التائهة، أمسك المفك بتحفز زال قليلا عندما وجدني أغادر المحل دون أن أهتم بأخذ الفيديو معي، قال لي “إيه ياأستاذ مش هتصلحه”، قلت له “لا.. أصل كفاية عليه عشر سنين ..خليهولك.. أنا هاشتري فيديو جديد بهيد جديد”.

غادرت المحل وأنا متشبع بيقين كاد يدفعني للصراخ في الناس بأن المشكلة في الهيدّ وأنه لاعاد ينفع لامسح ولاتلميع لأننا لازم نغيّر الهيدّ، لكنني تذكرت أنني قريب من وزارة الداخلية، وأن الموقف قد يتطور لأتعرض حينها لمسح “هيدّي” بالقطنة التي لاتكذب، ولذلك فضلت أن أسارع بشراء فيديو جديد وكتابة هذا المقال لأبرئ ذمتي لدى الله قائلا أنني قلت لعباده المصريين ذات يوم أن المشكلة في الهيدّ وأن عليهم أن يدركوا ذلك قبل أن ينهار البلد.. فجأة.

(من كتاب ضحك مجروح ـ مع خالص التحية

لجريدة البديل التي عادت والعود مبارك)