زين العابدين خيرى: حنين

زين العابدين خيري

لم تكن “البديل” يوما مجرد جريدة يسوِّد محرروها صفحاتها لتحجز صفا في اليوم التالي على استاندات بائعي الجرائد، بل كانت كل كلمة فيها معاناة من أجل المهنية والموضوعية، بقدر المستطاع، وهي مهنية بقدر ما نفتقدها في حياتنا الصحفية، بقدر ما نحنّ لـ”البديل” حنينا لا يمكن وصفه.

“البديل”.. كأي حلم جميل لم تعش طويلا. أو كما يقولون عن إنسان رائع، غيّبه الموت في مقتبل حياته أنه “ابن موت”.. هكذا كان إحساسنا بفقد “البديل” في عز تألقها، وكم كان الفقد صعبا وأنت في عز التجربة.

وقتها قلت لحاتم حافظ وكان مشرفا على صفحة الرأي في “البديل”: ربما كان إيقاف الجريدة في مصلحتنا، ونحن مقبلان على تجربة جديدة تتطلب منا تفرغا. ولكننا أبدا لم نستطع ابتلاع هذا المبرر، فالغصة في الحلق كانت أمر وأقوى من أي عزاء، والسكين الذي طُعنّا به في ظهورنا جميعا كان ألمه أقوى من أي مسكن اخترعناه.

ولذا كان اتصال خالد البلشي بي في أي وقت معناه أن أجهّز عدتي وأستعد للعودة إلى ميدان المعركة، فـ”البديل” عائد وكلنا جنوده المجندون. ولكن أبدا لم يكن موعد المعركة قد حان بعد. واضطر المحاربون إلى البحث عن ميادين أخرى يجرون فيها وراء لقمة العيش.. افترقنا والتقينا مرات، وظل اسم “البديل” قاسما مشتركا حميميا بيننا.

نحن “البدايلة”، نعمل في الأهرام والأخبار والمصري اليوم والشروق. ولكننا لم نعد مجرد صحفيين، بل أصبحنا “البدايلة”، أبناء تجربة أحببناها، وتبنيناها، وتبنتنا. صحيح أننا خريجو مدارس صحفية مختلفة نحبها ونعتز بها وننتمي إليها ونفتخر بها، فالراحل المناضل صاحب التجربة ومؤسسها محمد السيد سعيد، خريج مدرسة “الأهرام” العريقة، ومعه مجموعة رائعة من المحررين ورؤساء الأقسام والمخرجين الصحفيين والمنفذين، وهاهم أبناء “روز اليوسف” و”الإذاعة والتليفزيون” و”الأخبار” و”الشعب” و”الأهالي” و”الدستور”، وغيرها. بجانب عشرات من الشباب والفتيات القادمين من جامعاتهم أملا في الالتحاق بتجربة صحفية يتعلمون منها، وتستفيد من شبابهم وحيويتهم.

ولكننا، وعلى طريقة مصر محتوية الغزاة، صُهرنا في بوتقة “البديل”، فلم تتنافر مدارسنا الصحفية التي تخرجنا منها، وإنما التقينا على حب التجربة. وهكذا تحولنا من صحفيين إلى “بدايلة”.

واليوم وأنا أبارك للبلشي خطوته الجريئة لإعادة اسم “البديل”، ولو إلكترونيا، فإنني أجدد انتمائي لـ”البدايلة” إلكترونيا، أيضا، وأنا متأكد من نجاح التجربة التي طالما أثبتت اختلافها، وهي في كل الأحوال خطوة على طريق العودة.