د. إيمان يحي : التسلط

كان نهاراً عصيباً , بكل ما تعنيه الكلمة من معان . بدأت المرحلة الثالثة من انتخابات البرلمان في الصباح الباكر , وسرعان ما توالت البلاغات التليفونية على مقر الحزب والجريدة عن تحرشات وانتهاكات هنا أو هناك . اطمأن الصحفي ” محمود الصعيدي ” الشهير بأبو كف على أن مرشحي حزبه ” المعارض ” لم يتعرضوا للإيذاء من مرشحي الحزب الحاكم أو من قوات الأمن . كان “أبو كف” قد تم تكليفه بصفته الصحفية والحزبية بمتابعة المعركة الانتخابية لمرشحي حزبه في غرفة عمليات ، أقيمت خصيصاً لهذا الغرض بمقر الحزب.

طوال عشرة أعوام ظل ” أبو كف ” يعمل في صحيفة الحزب دون أن يتم تعيينه . كانت المكافأة الشهرية تسد رمقه بالكاد . نسى أن قطار الزواج كاد أن يفوته . تلاشى حلمه بشقة يسكنها ، فقنع بسكنى غرف الغسيل فوق الأسطح ، لكنه لم ينج من موجات تبرم داخلي من تجاهل ” الرئيس ” له . احتكر رئيس الحزب كل الاختصاصات والمسئوليات في الحزب والجريدة معاً . كان الرئيس موهوباً في الاحتفاظ بكافة الخيوط المالية والإدارية بين أنامل يديه . طوال صعوده عبر مناصب حزبية عديدة كان الرجل قادراً على احتكار كل شيء مستخدماً كافة الوسائل . لم يكن رؤساء تحرير الجريدة سوى واجهات يحركها ” الرئيس ” ، وعند تذمر بعض أعضاء حزبه كان يطيح بهم بشكل دوري في كل مؤتمر عام باعتبارهم كباش فداء .

بعد إقفال صناديق الاقتراع ، ظل ” أبو كف ” وأحد القيادات المخلصة ، طبعاً لرئيس الحزب ، ينتظران النتائج في غرفة العمليات . بين أكواب الشاي الفارغة المطفأ فيها أعقاب سجائر القلق والانتظار، بدأ الاثنان يتلقيان النتائج ومعها مرارة سقوط مرشحي الحزب واحداً تلو الآخر . قرب الفجر كانت الصورة قد اتضحت. كانت النتيجة المرعبة : لم ينجح أحد . قرر الاثنان إغلاق الغرفة ومقر الحزب ليذهب كل منهما إلى بيته . قبلها تسلل القائد الحزبي ” المخلص ” لرئيسه إلى دورة المياه ليفرغ ما اجترعه من أكواب الشاي , بينما وقف ” أبو كف ” على غير إرادة منه أمام صورة رئيس الحزب الضخمة المعلقة في صدر صالة المقر .

وجد ” أبو كف ” نفسه يتأمل الصورة , وخاصة العينين اللئيمتين اللتين أصابهما حول خفيف،  يخفف من شراسة نظرات الزعيم . فتح أبو كف فمه , وبدلاً من أن يبصق على الصورة في غيبة زميله سمع صوتاً واضحاً يخرج من جوفه يقول .. ” مش كفاية خربتها وقعدت على تلها .. الكل سقط وانت اللي بقيت .. لا “لاظوغلي” نفع ولا الرئاسة .. مفضلش غيرك ، هتقعد لغاية إمتى ؟!”. خرج أبو كف مع زميله يبحثان عن طريق إلى منزل كل منهما.

عندما عاد أبو كف إلى مقر عمله قبيل الظهيرة , وعيناه منتفختان من آثار السهر الحزبي , اصطدم عند صعوده على السلم بوجه رئيس الحزب , الذي كان في طريقه إلى منزله . ابتدره الرئيس قائلاً : ” يا أبو كف إنت كنت بتقول إيه لصورتي              إمبارح ؟” . بهت ” أبو كف ” كيف عرف الرئيس ما حدث رغم أنه كان وحده مع صورته ؟!. دخل إلى الصالة وتجول حول الصورة وكأنه لا يقصد التمعن فيها . كان يبحث عن عدسات كاميرات مراقبة ، قد تكون مخبأة هنا أو هناك ، ولعل بريق عيني الزعيم قد أوحى إليه بأن الكاميرات مخبأة في بؤبؤهما .

بعد أسبوعين حدثت سرقة لأحد التليفونات المحمولة لأحد الصحفيين . كانت مفاجأة مرعبة , فصالة التحرير لا يدخلها غرباء , ومعنى ذلك أن السارق من بين العاملين بالجريدة . ذهب ” أبو كف ” مسرعاً إلى مكتب الرئيس . كان الباب مغلقاً . وقبل أن يطرقه فوجئ بصوت الرئيس من الداخل .. ” أدخل يا أبو كف ” . دخل أبو كف منقطع الأنفاس ليخبره بسرقة المحمول . ابتسم رئيس الحزب فتدلى فمه ناحية اليسار وقال بمعلمة : ” ستجدونه على قاعدة شباك دورة الميه ” , وبالفعل كان المحمول قابعاً في سكون على قاعدة الشباك . نظر أبو كف حوله .. إلى المرآة .. ومصباح الكهرباء .. بل وداخل المرحاض لعله يجد عدسات كاميرات المراقبة , لكنه لم يستطع أن يتبينها .

في اليوم التالي قرر ” أبو كف ” مع زملائه المقربين عدم دخول دورات المياه تحت أي ظرف من الظروف , وخاصة أنه قد ثبت تلصص رئيس الحزب عليهم وعلى أنصافهم السفلية المجردة من الملابس .

بعد أسبوع كان أبو كف يكتب تقريراً صحفياً عن اجتماع حزبي . كتب عدة سطور تضمنت انتقادات بعض الأعضاء لأداء القيادة الحزبية , لكنه سرعان ما فطن إلى غفلته فمزق الصفحة من أمامه بكفه اليمنى الكبير . ذلك الكف الذي استطال وتضخم من كثرة إمساكه بالقلم والكتابة على أوراق الدشت وكان سبباً في أن يطلق عليه زملاؤه لقب ” أبو كف ” . ذهب أبو كف بتقريره إلى رئيس الحزب مباشرة , فهكذا كانت  تقضي التقاليد عندما يتعلق النشر بأمر حزبي . ابتسم ” الرئيس ” بعدما ألقى نظرة خاطفة على التقرير وسأله بينما حبات المسبحة تكر في يده : ” أمال فين السطور اللي كتبتها عن الانتقادات ؟!” .. ألجمته المفاجأة .. لم يكن بجانبه أحد من زملائه عندما كتبها , وعندما مزقها . فضل أن يصمت ولم ينبس بحرف . قرأ الرئيس المقالة في دقيقة , وأعطى موافقته ملوحاً له بيده أن ينصرف .

دخل أبو كف صالة التحرير , وهو يتلفت حول نفسه . نظر إلى كفه الأيمن , فلم يجد ما ينبئ بتجسسها عليه . نظر ملياً إلى الحائط الأملس خلف مكتبه فلم يجد خدشاً أو ثقباً واحداً فيه ، يحتمل أن تطل منه عين مراقبة . خرج ” أبو كف ” إلى الشارع ، وظل ينظر من طرف عينيه خلفه عسى أن يكون أحد يتبعه . نظر جيداً وتمعن في كفه اليمنى . قلَّبها ونظر ملياً في ظاهرها .

منذ ذلك اليوم قرر ” أبو كف ” أن يستغني عن استعمال يده اليمنى في الكتابة , وأن يدرب يده اليسرى عليها . الأنكى من ذلك أنه قرر أن يصمت , ويحوقل , ثم يبدأ في العد من واحد إلى عشرة قبل كل جملة يكتبها .