د. إيمان يحي : التسلط

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

كان نهاراً عصيباً , بكل ما تعنيه الكلمة من معان . بدأت المرحلة الثالثة من انتخابات البرلمان في الصباح الباكر , وسرعان ما توالت البلاغات التليفونية على مقر الحزب والجريدة عن تحرشات وانتهاكات هنا أو هناك . اطمأن الصحفي ” محمود الصعيدي ” الشهير بأبو كف على أن مرشحي حزبه ” المعارض ” لم يتعرضوا للإيذاء من مرشحي الحزب الحاكم أو من قوات الأمن . كان “أبو كف” قد تم تكليفه بصفته الصحفية والحزبية بمتابعة المعركة الانتخابية لمرشحي حزبه في غرفة عمليات ، أقيمت خصيصاً لهذا الغرض بمقر الحزب.

طوال عشرة أعوام ظل ” أبو كف ” يعمل في صحيفة الحزب دون أن يتم تعيينه . كانت المكافأة الشهرية تسد رمقه بالكاد . نسى أن قطار الزواج كاد أن يفوته . تلاشى حلمه بشقة يسكنها ، فقنع بسكنى غرف الغسيل فوق الأسطح ، لكنه لم ينج من موجات تبرم داخلي من تجاهل ” الرئيس ” له . احتكر رئيس الحزب كل الاختصاصات والمسئوليات في الحزب والجريدة معاً . كان الرئيس موهوباً في الاحتفاظ بكافة الخيوط المالية والإدارية بين أنامل يديه . طوال صعوده عبر مناصب حزبية عديدة كان الرجل قادراً على احتكار كل شيء مستخدماً كافة الوسائل . لم يكن رؤساء تحرير الجريدة سوى واجهات يحركها ” الرئيس ” ، وعند تذمر بعض أعضاء حزبه كان يطيح بهم بشكل دوري في كل مؤتمر عام باعتبارهم كباش فداء .

بعد إقفال صناديق الاقتراع ، ظل ” أبو كف ” وأحد القيادات المخلصة ، طبعاً لرئيس الحزب ، ينتظران النتائج في غرفة العمليات . بين أكواب الشاي الفارغة المطفأ فيها أعقاب سجائر القلق والانتظار، بدأ الاثنان يتلقيان النتائج ومعها مرارة سقوط مرشحي الحزب واحداً تلو الآخر . قرب الفجر كانت الصورة قد اتضحت. كانت النتيجة المرعبة : لم ينجح أحد . قرر الاثنان إغلاق الغرفة ومقر الحزب ليذهب كل منهما إلى بيته . قبلها تسلل القائد الحزبي ” المخلص ” لرئيسه إلى دورة المياه ليفرغ ما اجترعه من أكواب الشاي , بينما وقف ” أبو كف ” على غير إرادة منه أمام صورة رئيس الحزب الضخمة المعلقة في صدر صالة المقر .

وجد ” أبو كف ” نفسه يتأمل الصورة , وخاصة العينين اللئيمتين اللتين أصابهما حول خفيف،  يخفف من شراسة نظرات الزعيم . فتح أبو كف فمه , وبدلاً من أن يبصق على الصورة في غيبة زميله سمع صوتاً واضحاً يخرج من جوفه يقول .. ” مش كفاية خربتها وقعدت على تلها .. الكل سقط وانت اللي بقيت .. لا “لاظوغلي” نفع ولا الرئاسة .. مفضلش غيرك ، هتقعد لغاية إمتى ؟!”. خرج أبو كف مع زميله يبحثان عن طريق إلى منزل كل منهما.

عندما عاد أبو كف إلى مقر عمله قبيل الظهيرة , وعيناه منتفختان من آثار السهر الحزبي , اصطدم عند صعوده على السلم بوجه رئيس الحزب , الذي كان في طريقه إلى منزله . ابتدره الرئيس قائلاً : ” يا أبو كف إنت كنت بتقول إيه لصورتي              إمبارح ؟” . بهت ” أبو كف ” كيف عرف الرئيس ما حدث رغم أنه كان وحده مع صورته ؟!. دخل إلى الصالة وتجول حول الصورة وكأنه لا يقصد التمعن فيها . كان يبحث عن عدسات كاميرات مراقبة ، قد تكون مخبأة هنا أو هناك ، ولعل بريق عيني الزعيم قد أوحى إليه بأن الكاميرات مخبأة في بؤبؤهما .

بعد أسبوعين حدثت سرقة لأحد التليفونات المحمولة لأحد الصحفيين . كانت مفاجأة مرعبة , فصالة التحرير لا يدخلها غرباء , ومعنى ذلك أن السارق من بين العاملين بالجريدة . ذهب ” أبو كف ” مسرعاً إلى مكتب الرئيس . كان الباب مغلقاً . وقبل أن يطرقه فوجئ بصوت الرئيس من الداخل .. ” أدخل يا أبو كف ” . دخل أبو كف منقطع الأنفاس ليخبره بسرقة المحمول . ابتسم رئيس الحزب فتدلى فمه ناحية اليسار وقال بمعلمة : ” ستجدونه على قاعدة شباك دورة الميه ” , وبالفعل كان المحمول قابعاً في سكون على قاعدة الشباك . نظر أبو كف حوله .. إلى المرآة .. ومصباح الكهرباء .. بل وداخل المرحاض لعله يجد عدسات كاميرات المراقبة , لكنه لم يستطع أن يتبينها .

في اليوم التالي قرر ” أبو كف ” مع زملائه المقربين عدم دخول دورات المياه تحت أي ظرف من الظروف , وخاصة أنه قد ثبت تلصص رئيس الحزب عليهم وعلى أنصافهم السفلية المجردة من الملابس .

بعد أسبوع كان أبو كف يكتب تقريراً صحفياً عن اجتماع حزبي . كتب عدة سطور تضمنت انتقادات بعض الأعضاء لأداء القيادة الحزبية , لكنه سرعان ما فطن إلى غفلته فمزق الصفحة من أمامه بكفه اليمنى الكبير . ذلك الكف الذي استطال وتضخم من كثرة إمساكه بالقلم والكتابة على أوراق الدشت وكان سبباً في أن يطلق عليه زملاؤه لقب ” أبو كف ” . ذهب أبو كف بتقريره إلى رئيس الحزب مباشرة , فهكذا كانت  تقضي التقاليد عندما يتعلق النشر بأمر حزبي . ابتسم ” الرئيس ” بعدما ألقى نظرة خاطفة على التقرير وسأله بينما حبات المسبحة تكر في يده : ” أمال فين السطور اللي كتبتها عن الانتقادات ؟!” .. ألجمته المفاجأة .. لم يكن بجانبه أحد من زملائه عندما كتبها , وعندما مزقها . فضل أن يصمت ولم ينبس بحرف . قرأ الرئيس المقالة في دقيقة , وأعطى موافقته ملوحاً له بيده أن ينصرف .

دخل أبو كف صالة التحرير , وهو يتلفت حول نفسه . نظر إلى كفه الأيمن , فلم يجد ما ينبئ بتجسسها عليه . نظر ملياً إلى الحائط الأملس خلف مكتبه فلم يجد خدشاً أو ثقباً واحداً فيه ، يحتمل أن تطل منه عين مراقبة . خرج ” أبو كف ” إلى الشارع ، وظل ينظر من طرف عينيه خلفه عسى أن يكون أحد يتبعه . نظر جيداً وتمعن في كفه اليمنى . قلَّبها ونظر ملياً في ظاهرها .

منذ ذلك اليوم قرر ” أبو كف ” أن يستغني عن استعمال يده اليمنى في الكتابة , وأن يدرب يده اليسرى عليها . الأنكى من ذلك أنه قرر أن يصمت , ويحوقل , ثم يبدأ في العد من واحد إلى عشرة قبل كل جملة يكتبها .