محمد عبد النبي: حكاية الموز والقهوة فصل من رواية : رجوع الشيخ

بعد عامين من عمل أبي، عبد المتعال أفندي دنيا، مدرساً للغة العربية، بمدرسة حكومية، قرر أن الوقت قد حان ليكمل نصف دينه.

كان هذا نهاية الأربعينيات، بالمناسبة، إن كان لهذا معنى أو ضرورة.

استخار أبي الله، وسافر إلى بلدتهم الصغيرة، التابعة لمحافظة الشرقية، ليعثر على بنت الحلال، بمعاونة أمه وشقيقاته، وكانت العروس جاهزة، بانتظاره، بنت من بنات عائلة كبيرة، تأخر نصيبها قليلا، يعلم الله لماذا، وأسرتها ذات جاه ومال، وقد جست إحدى الخاطبات النبض فرحبوا بعبد المتعال، الخوجة فى مصر، على الرغم من رقة حال أسرته، من صغار الملاك، أو بالأحرى من صغار صغار الملاك.

ذهب مع عمه، الذى جاء خصيصا من طنطا حيث يعمل إماما بإحدى مساجدها، فى رحاب السيد البدوى، ولأن الشاب، أبي أيام كان شاباً، لم يكن طامعاً فى حسبٍ أو مال، وكان تطلعه للجمال رقم واحد في أولوياته، فقد اتفق مع العم المُعمم الظريف على حيلةٍ، وهى أن يسأله عمه عن رأيه بسيمٍ محدد بينهما، فلو قدمت العروس الشربات مثلا يسأله عمه عن الشربات، هل أعجبه، وهكذا، ولم يعلنوا للأسرة عن سبب الزيارة، وتَواطأ الأهل على اعتبارها مجرد زيارة تعارف لكى يتسنى للعريس رؤية العروس التى تكبره فى السن، كما يشاع.

استقبلوهم بالترحاب وأجلسوهم فى مندرة واسعة تكاد تكون مكشوفة للهواء والشمس من الجهات الأربع. وراح الرجال يتبادلون المجاملات، وبين الحين والآخر تدخل سيدة لتسلم ثم تنصرف، حتى دخلت العروس بصينية القهوة.

كان كل شئ يوحى بأنها العروس، زينتها وملابسها وشعرها المسبسب المطل من تحت غطاء رأسها الأسود ولكن اللامع أيضا.

كانت مشيتها متخبطة ومتعثرة، كما لو أن عودها الطويل الجاف سوف ينقصم فى أية لحظة، وحين اقتربت ومالت لتضع الصينية على مائدة واطئة وسط مقاعد وآرائك المندرة، بان وجهها الملون والشاحب رغم ألوانه، وبدت أكبر مما توقع العريس وأقل حسنا أيضا مما يُرضيه.

غادرت على عجل فى حياء أشد، وقد خلفت فى نفس المدرس الشاب غصةً ومرارة، ودام الحديث دون أن ينتبه لأن يرفع فنجان قهوته إلى فمه.

وما هى إلا دقائق، حتى ظهرت صبية لعلها لم تبلغ السابعة عشرة بعد، بثياب سوداء مهلهلة أقرب إلى ثياب الخادمات، ووجه مثل طبق البلور، وضعت بسرعة وهدوء، بين أيدي الرجال، طبقا كبيرا ممتلئا بالموز، ثم ذهبت كأن شيئا لم يكن، فعادت الدنيا لظلمتها أمام عين العريس، أمام أبي، وهنا خاطبه العم الأزهرى الأريب:

ما تشرب قهوتك يا ابني، خلينا نلحق العصر حاضر.

ماليش تقل ع القهوة يا عمي، آني هاكل موز، الموز ده لا يُعلى عليه.

لم يفهم الأهل الإشارة، وقال له بعضهم “ألف هنا وشفا يا أستاذ”، دقائق وفوجئ الجميع بعم أبي يطلب يد ابنتهم الكريمة لنفسه، وكان أرملا منذ عامين ولديه طفلة وحيدة يشقى بتربيتها وحده فى غربته بطنطا. انعقد لسان أهل البنت، وطلبوا منه مهلة للتفكير.

وفى اليوم التالي، أخذ أبي عمه من يده لزيارة منزل آخر، دار طينية من طابق واحد، غير أن البدر المنور كانت ابنة أهل هذه الدار. يا سلام على العبر!

أبوها مسنٌ وطريح الفراش منذ سنوات وأمها تعمل في مختلف الأعمال لتطعم الأفواه، والبنت تساعد الجميع هنا وهناك لينوبها هى وأخواتها من الحب جانب. رفضت أم عبد المتعال أفندى، ابنها الوحيد وطالعة به القلعة. وحذره عمه أنها سوف يأخذها بالجلباب الذي عليها، فأجاب الشاب: “سآخذها ولو من غير جلباب يا عمى.”

أعرف أنني أملأ فجوات الحكايات العائلية قدر ما استطعت.

عُقد قران العم وابن أخيه بعد صلاة جمعة واحدة، فى المسجد الكبير للقرية.

ودون عُرس تقريبا أخذ العم زوجته إلى طنطا فى موكب من سيارات محملة بأثاثها وجهازها الذى طال تخزينه، دون أن يدرى الشيخ الأريب أين سيضع كل هذا، إلا إذا قرر أهلها شراء منزل جديد لهما. سيختفي هذا العم الأزهري الآن وعلى طول.

وتم زواج آخر دون ضجيج كبير أيضا، آثر عبد المتعال أفندى أن يوفر المال ليسافر بزوجته إلى الإسكندرية أو مطروح، كما يفعل الناس المحترمون، وبعد أسبوع من العسل قضياه فى مرسى مطروح جاء بها، بحقيبة ثيابها إلى شقته المجهزة من مجاميعه، آخر شارع منية السيرج بشبرا مصر، غير بعيد عن المدرسة التى يعمل بها.

أتخيل أن تلك الحكاية الصغيرة لم تختف من البلدة لسنوات، وكثيرا ما ردد الناس عبارة “الموز لا يُعلى عليه” عندما يفضل بعض الشباب الجمال على المال والحسب، مع الأيام نُسيت الحكاية وإن ظلت العبارة معلقة فى الهواء، وجهل الكثيرون بأصلها، وبقى الشباب يرددونها على مسامع الفتيات، وكأنها رمز معلوم فيما بينهم.