محمد صلاح العزب :ليسـانس حقـوق

من الذي ضرب البنت على رأسها بهذه القسوة كي تصبح هكذا: قصيرة ومدكوكة.

البنت التي تعمل محامية تحت التدريب في مكتب محام كبير، والتي طلبت منك أن تعطيها دروسًا في اللغة العربية حتى لا تخطئ في المرافعات.

ترتدي حذاء بكعب عال، ولا تفضل أن تحدث أحدا وهي واقفة، حتى لا تضطر أن تمد رأسها إلى أعلى، ولا تصاحب البنات الطويلات.

البنت كانت نبيهة وفرقت بسرعة بين المرفوع والمنصوب، ولم تسمح لك في أثناء الدرس إلا بأن تمسك يدها في غفلة من أمها العجوز التي تفضل اقتحام غرفة الدرس عليكما بلا استئذان.

كان أبوها ميتا، والراتب الصغير الذي تأخذه من المكتب لا يكفيها وأمها وأختها الصغيرة، فاتفقت معها بعد أربع حصص أنك لن تأخذ منها نقودًا، وبعد سبع حصص كنت تعطيها نقودًا، وتشتري أشياء للبيت وأنت قادم عندهم، وتقول:

ـ أنا أعتبر نفسي واحدا منكم.

فتبتسم العجوز وتراك زوجا لا بأس به لابنتها.

تظل محافظة على الكعب العالي في البيت، وتتركك تجلس على كنبة الأنتريه المنخفضة، وتجلس هي على كرسي سفرة مرتفع؛ فتبدو أطول منك، وتحادثك وهي تنظر إلى أسفل،

في أثناء الدرس تقول إنها تود لو تعمل (ريجيما)؛ لأن وزنها أكثر من طولها بحوالي 15 كيلو، تحبك ثوبها حول جسمها وتستدير أمامك، وتقول:

ـ يعني.. أنا لست ممتلئة جدا.

فتومئ لها بالإيجاب وأنت لا يعجبك جسمها.

تخرج بفستان تحت الركبة، وشعر أسود طويل، وأكلاسير جلدي، تخلع نظارتها الشمسية وتلقي التحية على كل راكبي ميكروباص رمسيس، فيرد السائق وحده:

ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

فتفضل دائما الجلوس في أول كرسي إلى جوار الشباك.

عندما أيقنت البنت أنك بدأت تهملها وتتهرب منها صارت تسمح لك بأن تتعامل مع جسدها بشكل أكبر، وصارت تتمشى معك على الكورنيش، وتغلق باب حجرة الدرس لأن صوت التليفزيون عال، فتقفان بجسديكما خلف الباب وأنت تقبلها حتى لا يفتح على غفلة.

يبدو أن البنت التي ارتدت في هذا اليوم قميصا أبيض تحت جاكيت بني، أدركت تماما أنها خاسرة في هذه العلاقة، فبدأت البحث عن شخص آخر مناسب، وقالت لك بصراحة إنها لا ترغب في رؤيتك مرة ثانية، كنت توصلها، أركبتها الميكروباص ووقفت من أسفل تحادثها من الشباك فأظهرتْ كأنك تعاكسها لأول مرة، وأنها لا تعرفك.

وعندما ظللت واقفا أغلقت زجاج النافذة في وجهك، وصنعت من بخار أنفاسها دائرة مضببة حجبت وجهها تمامًا.