محمد فاروق : أنا شتراوس… يا ربيع

هل تعلم يا ربيع، أني أعتذر عن حضور أي مأدبة أو حفل يقام على شرفي، وأفضل أن آتي لآكل الفول من عربتك، لاشك أن طبق الفول الذي تصنعه أفضل من الخراف المشوية والديوك الرومي، كما أن “مية الطرشي” أفضل من أفخر الأنبذة. لكن ليس هذا فقط ما يجعلني أترك مجالس النبلاء والأمراء وآتي اليك، بل هو لقاؤك يا ربيع، فأنت لا تعاملني على أني يوهان شتراوش الموسيقي المشهور، أنت تعاملني كيوهان شتراوس الإنسان، أنا أفتقد هذا الشعور بشدة يا ربيع، ولهذا أرتاح أن أبوح لك بكل ما في صدري من شجون، وكل ما في عقلي من موسيقا.

هذا عالم غريب يا ربيع، يبدو لي أحيانا كنوتة موسيقية هائلة بها الكثير من الخطوط، وعليها ملايين الحروف، أحاول عزف صفحة واحدة من هذه النوتة فلا أستطيع، تخيل؟، كل ما تعلمته من موسيقا أنساه أمام هذه الحروف، أنا أرى الحروف وأسمع موسيقاها في رأسي، ولكني لا أجيد عزفها أبدًا. لقد اقتنعت تمامًا أنني لن أستطيع عزف هذه النوتة ما حييت، ربما لأنني جزء من هذا العالم، لأنني أراه من الداخل. أي أنني مجرد حرف على هذه الخطوط المتوازية التي لا تتقاطع، نعم أنا حرف، فبالتأكيد لو طلبت من حرف أن يعزف نوتة لن يستطيع. أليس كذلك يا ربيع؟!

لقد قررت أن أتوقف عن التأليف الموسيقي يا ربيع، وسأقضي بقية عمري هنا بجانبك، بجوار عربة الفول، أساعدك في تنقية الفول وغسل الأطباق وتقشير البصل، لقد اتخذت هذا القرار بعد فشلي في تأليف مقطوعة موسيقية تفسر معنى الوجود، سيموفنية تكشف ما يحيط بعالمنا من رموز وطلاسم، تضع تعريفًا مانعًا جامعًا لمعنى السعادة، والمتعة، والحب، والموت، والزمن، تحارب الظلم والقهر، أنا لست مناضلًا أو فيلسوفًا، أنا الفقير إلى الله يوهان شتراوس، أريد أن أُسمِع العالم هذه السيمفونية؛ حتى يحب البشر بعضهم بعضًا. هناك مشكلة فقط وهي أن حروف هذه السيمفونية في رأسي يا ربيع، ودونتها هنا كما ترى، ولكنني لا أعرف كيف أعزفها، تصور؟! حاولت الاستعانة بعازفين آخرين فلم يفهموها يا ربيع، لا أعرف أين المشكلة بالضبط، في عقلي، أم في أصابعي، أم في آذان الناس.

طلب فول بالزيت الحار يا ربيع، وأَكثِر من الشطة. الشطة يااه رحمك الله يا “جيتي”، آه جيتي زوجتي يا ربيع، كانت تحب الشطة جدًّا، وخاصة على طبق الكشري من عربة أبو هيف في شارع شبرا، نعم أبو هيف سباح القرن كان يمتلك عربة كشري في شارع شبرا، كنت أنصحها ألا تكثر من الشطة لضررها البالغ على صحتها، لكنها لم تنتصح، وهذا ما عجَّل بوفاتها كما قال لي الأطباء. لكني لا أصدق كلام الأطباء فهل لو امتنعت جيتي عن الشطة كان ستعيش طويلًا، ربما لست متأكدًا، لكن لماذا يعيش أبو طيف كثيرًا رغم عبوره المانش مئات المرات، ولماذا تموت جيتي وهي في زهرة شبابها؟ أليس هذا عبثًا يا ربيع؟! أبو هيف الذي يصنع الشطة لجيتي يعيش، وهي تموت في صباها الريان، لم أستطع أن أنقذها أيضًا؛ لأنني فشلت في تأليف سيمفونية العالم.

تنقسم سيمفونية العالم إلى سبع حركات، وليس أربع حركات كأي سيمفونية، الحركة الثالثة تتحدث عن جيتي حبيبتي، ولهذا سميتها جيتي والشطة. آه يا ربيع، لو استطعت أن أسمعك هذه الحركة تحديدًا، سينتفض جسدك من الألم، وستتعلق الدموع في عينيك، أنا أسمعها الآن في رأسي، أسمعها وأحس بوخزها، لكني لا أستطيع عزفها، كم تمنيت أن تسمعها الإنسانية حتى تتألم معي، آه لا أحد في الإنسانية يتألم معي يا ربيع، لا أحد، أنا غريب في هذا العالم، ومما يضاعف من اغترابي هذه النوتة التي لا تريد أن تخرج من رأسي نوتة العالم، سيمفونيته وطلسمه يا ربيع، التي ستُخَلِّص العالم من الشرور وتفك رموزه.

أمي  ماتت… أمي يا ربيع، ولكني أحمد الله أني أستطيع أن أسمع همهماتها، لقد وضعت كمية من عرقها أو عطرها في هذه الزجاجة وهي تحتضر، كنت أجمع القطرات من على جبينها وفوق شفتيها ومن كف يدها، وأسكبها في هذه الزجاجة، وكلما اشتقت إليها فتحت زجاجة، لأسمع همهامتها، ولكن الكارثة أني أخاف على الكمية الباقية، حاولت الاتصال بصديقي لافوازيه الكيميائي الفرنسي الشهير حتى يجد طريقة يمنع فيها عرق أمي أن يتبخر، لكنه قال أنه مازال يحاول ويحاول دون جدوى، لم يبق لي إلا 324 مل من رائحة أمي يا ربيع، كافية فقط لكي أسمع منها 726392 همهمة، تركت لافوازيه وذهبت إلى صديق كيميائي آخر، هو لو شاتليه- صاحب مبدأ الاتزان- وقلت له أنقذني يا لوشتاليه، همهمات أمي تتبخر يا لوشاتليه!

كأي سيمفونية، تحتوي أيضًا سيمفونيتي على حركة راقصة مبهجة سريعة، لو سمعها أي إنسان لكفته شر الأمراض، ولعاش لحظات صفاء ونورانية، سيتخفف من جسده، وسيغدو كهمهمة أم تهدهد طفلها. تخيل نفسك يا ربيع، مجرد همهمة تخرج من حنجرة أم جميلة يسمعها طفل فيبتسم وينام. ستكون الحياة أسهل وأجمل، لا توجد همهمة تمرض، أو همهمة تركب ميكروباص وتستنشق العادم أو همهمة تشيخ. لو استطعت عزف هذه الحركة أيضًا لتحول البشر إلى همهمات، أتعرف يا ربيع أنني عندما امتنعت عن زيارتك لمده شهرين، كنت قد تحولت إلى همهمة، لم أكن آكل أو أشرب أو أتغوط، كنت أنام في شارع شامبليون أغمض عيني فقط، وأسمع الموسيقى في رأسي، فلا أحتاج لطعام أو شراب، ياه يا ربيع، كم أتمنى فقط أن أستطيع عزف هذه المقطوعة من السيمفونية، حتى أقضي على الفقر والجوع والمرض، لك أن تتخيل فقط دو\ ري\ مي \ بدلا من لحمة \ خبز \ دواء، و\فا \ هي الترياق من كل الأوبئة والأمراض، وسي\ للقضاء على فيروس سي.

ياه ذكرتني بأخي فتحي يا ربيع، لقد توفي بفيروس سي القاتل، حمله وهنا على وهن، ولم يكن فصاله في عامين، بل عشرات من الأعوام حتى قضي عليه في النهاية، وعلى الكثيرين غيره مثل زكي، وإبراهيم، وتوفيق، وزكريا، وبولس، لا تصدق يا ربيع أن الله هو من فعل بهم وبأخي ذلك. الله رحيم وجميل يا ربيع، من فعل ذلك هو مايسترو قبيح، تصور… آخر شيء كنت أتوقعه أن يستخدم مؤلف موسيقي مهارته في قتل البشر، هذا المايسترو هو المسؤول عن انتشار هذه الفيروسات وغيرها، ينشرها عبر تأليف مقطوعة موسيقية شيطانية تسمى كونشيرتو الفيروسات، ويعزف هذا الكونشيرتو كل صباح ومساء، بآلات غريبة أوتارها من السيوف والأنصال، أبشعها آلة تسمى المنجنيق، تقذف بحروف نشاز غير مألوفة تعبث بمصائر البشر.

يساعد هذا المايسترو حفنة من العازفين المهرة الغلاظ، أسمعها الآن بوضوح تطغى على موسيقى البهجة في سيمفونية العالم، وأرى أخي فتحي، ببطنه المنتفخ من الاستسقاء، ووجه الأصفر، وعينيه الغائرتين، يمسك بحقيبة جلد صغيرة تحت إبطه بها مصحف صغير، وطلب العلاج على نفقة الدولة، وكارت شحن محمول بعشرة جنيهات، وصورة زوجته وهي تحتضن طفلتيه، يسقط أرضًا وأنا أحاول أن أجري له إجراءات الدخول للمستشفى. تتصاعد الموسيقا اللعينة في صخب، بينما يحلق أسراب من الذباب يصنع بطنينه إيقاعًا ساخرًا مع الموسيقا الظالمة، يذوي فتحي في غياهب الغيبوبة، توقظه حقنة شرجية، يتعلق ببصري بعينين دامعتين مبتسمتين، ثم لا يلبث أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما تعلن المذيعة في الراديو: “استمعنا الآن إلى كونشيرتو المنجنيق، والأوركسترا من سلم دو معقوف كبير، والآن نترككم مع فاصل من الموسيقى الخفيفة”.

هل أدركت الآن أهمية تأليف هذه السيمفونية، لو كنت أستطيع عزفها لواجهت المايسترو وعازفيه، يبدو أني نسيت الموسيقا، يبدو أنني أحتاج أن أتعلم الموسيقا من جديد على يد طنط سوسن، كانت صديقة أمي، وتسكن في شارعنا، هي من تنبهت لموهبتي، علمتني العزف على البيانو وأنا في السادسة، وكانت تندهش من إتقاني وتعلمي السريع لكل المقطوعات الموسيقية، كانت تحتضني وتقول: “يوهان. ستكون موسيقيًّا مشهورًا”، وبالفعل تحققت نبوءتها.

عندما صلينا التراويح في الكاتدرائية المرقصية، ذهبت لحضور القداس على روح أخي فتحي، وبعد أن قرأ الشيخ سورة يس، خرجت من القاعة فوجدت طنط سوسن ترتدي السواد، وتصلي وتبكي أمام المذبح، وعندما اقتربت منها كنت أسمع نفس الموسيقا التي يعزفها هذا المايسترو الكريه، ربتُّ على كتفها، فالتفتت إليَّ وعينها مليئة بالدموع والغضب، مسكت يدها فأخذت تقذف من فمها، وأذنها، وعينيها كميات كبيرة من اللوز والزبيب وقمر الدين والبلح، اكتست أرض الكنيسة بالياميش، نظرت في وجه طنط سوسن الممتلئ البض، وقد تحول إلى وجه ممصوص كالأراصيا، حاولت جاهدًا أن أعزف جزءًا من سيمفونية العالم؛ حتى ترتد المكسرات إليها، وتعود طنط سوسن بيضاء مليحة كما كانت، لكني فشلت تمامًا يا ربيع.

في طريقي إلى المنزل لمحت محل عمو نصيف الجواهرجي زوج طنط سوسن، واجهاته الزجاجية محطمة، وعليه كثير من الدماء، ويتأرجح على إحدى الغوايش المعلقة في الفاترينة شرطيان صغيران بحجم الكف، يمسكان سلاحًا آليًّا، ومنهمكان في أكل الترمس، لم أستطع أن أرى عمو نصيف في الداخل من أكوام قشر الترمس التي سدت مجال رؤيتي، عندها فقط عرفت لماذا كانت طنط سوسن غاضبة مني، وقذفتني بالمكسرات، فمنزلها كان نظيفًا جدًّا، وكنت وأنا طفل قد رأيتها مرة تنهر مينا؛ لأنه كان يأكل الترمس ويرمي قشره على السجادة.

رحمك الله يا حاج شتراوس، رحمك الله يا أبي. ليتني أطعته وتركت الموسيقا، لم يكن لدي الوقت لأجمع عطره في قارورة كما فعلت مع أمي؛ لأنه مات وهو نائم، وهذا ما ضاعف من عذابي، كنت دائم الشجار معه، أفتقد زجره وتأنيبه وكفه الذي هوى به على وجهي ذات يوم، عندما تركت المحاماة، وأصررت أن أحترف الموسيقا. ماذا فعلت لي الموسيقا غير أني جنيت شهرة كاذبة، والتف حولي الأفَّاقون من طبقة النبلاء، وخسرت أحبائي فتحي، وطنط سوسن، وسميرة، لا أحد يسمع الموسيقا يا ربيع، الناس تخاف من الموسيقا، ليتني كنت ذلك الطفل الذي يلعب في حقول القمح في أرضنا في شبراخيت، لا أستطيع أن أذهب إلى شبراخيت الآن، تحولت إلى بلدة كئيبة تمامًا، ليس بها حقول قمح، هي عبارة عن صالة ضخمة للعبة البولينج، ذهبت مرة إلى هناك ودخلت بولينج شبراخيت، وجدت مجموعة من النبلاء يمسكون كرات البولينج، بينما يقف مجموعة من البشر على هيئة زجاجات في آخر الممر الخشبي، ينتظرون الكرة لترتطم بهم فيقعون صرعى، ثم يعودون للحياة من جديد، ويقفون نفس الوقفة في انتظار الكرة مرة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، لا أعرف لماذا هم مستمتعون بهذا العذاب، وبينما النبلاء يستمتعون باللعب ويسقط البشر ويبعثون من جديد، تتصاعد الموسيقا اللعينة، نعم هو كونشيترو الفيروسات، وأرى المايسترو والعازفين يلعبون أيضًا البولينج، مرة أخرى حاولت أن أعزف موسيقا سيمفونية العالم، لكي أجعل البشر الواقفين يتحركون، أو أجعل الكرات الحديدية تنحرف عن مسارها، لكن لم أستطع، أنا نسيت الموسيقا يا ربيع، نسيتها تمامًا، خاطرت وذهبت للبشر الواقفين وصرخت فيهم انتبهوا انتبهوا، لكنهم كانوا يبتسمون لي في بلاهة وكأني مجنون.

لم أيأس، حاولت أن أستخدم نفوذي كموسيقي مشهور، فذهبت إلى محافظ شبراخيت، وطلبت منه إيقاف هذا العبث، وهدم صالات البولينج في شبراخيت التي تقتل أجمل البشر، وتقضي على خصوصية شبراخيت، فما كان منه إلا أن أخبرني أن هذه الصالات تدر أرباحًا خيالية أكثر من زراعة القمح والفاصوليا، كما أخبرني أن لعبة البولينج ليست لعبة دخيلة، بل هي لعبة مصرية في الأساس ابتكرها الفراعنة منذ ستة آلاف عام، وتوجد نقوش في معبد بني حسن في المنيا تظهر النبلاء المصريين وأعوانهم من العامة وهم يلعبون البولينج، وأعطاني بردية هدية بها تلك النقوش. واكتشفت أن هذه الصالات ملك لرجل واحد من النبلاء يسمى “خيت” استولى خيت لعنه الله على شبراخيت، وجعل صورتها القديمة الجميلة مجرد أطلال وحواديت، ياه لم أكن أعلم أني  أجيد الكلام المسجوع يا ربيع، يبدو أن بداخلي أيضًا طاقات شعرية، سبع صنايع يا ربيع، سبع صنايع يا صديقي.

لكن أي من صنائعي التي أجيدها أفادت أحبائي، إنهم يسقطون الواحد تلو الآخر، هل فهمت يا ربيع سر عذابي، سيمفونية لا أستطيع عزفها ولكنها مكتوبة أمامي، ونبلاء خونة، ومايسترو قاتل، وترمس، وقمر الدين، وشبراخيت، وفتحي، وطنط سوسن، وأنا من أنا؟ أنا شتراوس العاجز عن جعل العالم يرقص على موسيقاه ليهزم أوجاعه، لماذا لا ترد علي يا ربيع، استيقظ، الفول شاط يا ربيع والزبائن قادمون، أنا أتحدث إليك وأنت لا ترد، قم يا ربيع واشرح لي، قم وحاول أن تعزف هذه النوتة، وأنا سأقشر البصل ولن أبكي. تحرك، أرجوك لا تمت يا ربيع، من غيرك يطعمني الفول في الصباح والمساء، من غيرك يغطيني على هذا الرصيف، من غيرك يحممني، أنت الوحيد الذي تسمعني وتعاملني كيوهان شتراوس الإنسان، هل قتلك الكونشيرتو أنت أيضًا؟، لا تمت يا ربيع، سأعزف لك الآن أعظم مقطوعة موسيقية عزفتها في فيينا: “طلعت يا محلى نورها” من سلم ري كبير…