كريم سامي: وحدي أعرف أني جميل

القداحةُ التي تُشعلُ تبغي
صباحاتُ خير الأصدقاء
سبعةَ عشرعاماً تنسفُ الخجل لتزداد جمالاً في عيني
صوتُ أمي في الردهة
فتاةٌ جعلتني أراقب البسمات التي أطلقها في الهواء
الكلام الذي سمعته مني
جدي الذي مات يحلم

صديقٌ يسهر العدمُ في غرفته
يغسلُ أعصابه في نهر أسفل الطاولة
يُشكلُ النجومَ بسماء غرفته
بطريقةٍ تسمح لحبيبةٍ في البعيد
أنْ تبتسم …

رجلٌ تَعلمَ الصمت
عادةٌ تحرمني الأهلَ والأصحاب
الليلُ أمام البحر
حبيبةٌ أبحثُ عنها في زجاجةٍ وأنا أضحك
قصيدةٌ لصاحب أعرفُ منها كم هو جميل
واحدةٌ فضلت صاحبي و تركت لي نزهتين في الصيف
جواربي في الشتاء
كوبُ قهوة
ومَن يظن الحشد مخبولاً يسألني : متى الله ؟

عن السنين التي أخبرتني أمي : لا تتأخر خارج البيت
شحوبٌ يُصيبُ قلبي
والطفلُ الأشقر خارج مضلعات العين

الليلة أحتاج امرأة
لأنَّ عندي كلمات جميلة و متسعاً من الليل

أمي ، سأكون جيداً ، فلا تمارسي خوفكِ الجميل
إذ أنَّ أعصابك في عامها الأول وتنتفض
سأجد لي فتاةً مثل الآخرين
أخرج من صوتها جميلاً
سأذهبُ لرفيق لي على حوافِ المدينة
يشربُ الشاي في حالةِ حب

سأطرد الغبار أعلى صورةِ جدتِك
التي كنتِ تخبرين أنها رائعة
وأنا أداعبك بأنها لم تكن

ألفُ جنيه أعطاني إياها
أخ لكِ لاقى حتفه في جيبه الثقيل
ماذا أشتري لأمٍ ميتة ؟
لي رغبة أنْ أوجدك …
وأرش العطر على صوتك في الذاكرة

الوقت الطيب الذي كان بين الثانية عشرة والواحدة
الذي كان زوجك ” الطفل للغاية ” يسألكِ عن أشياءَ غريبة
كبدلةِ الجيش أو أغنيةٍ كتبها في مطلع الثمانينات
على علبةِ تبغ حمراء

الآن .. بين الثانية عشرة والواحدة
طابور دمع ،
نداءٌ يبدو أنه من ” صمت ”
وقتٌ طويلٌ
وصوت يفتح نوافذ للبكاء …
غير أنَّ لي صديقةً سمراء ، تفضلني
كأنها زغب روحي المنزوع
ووحدها تعرف أنَّ الحب فنار ذهني

ياقةُ القميص ، يا حبيبتي
ربطةُ العنق التي لم تكن معقودةً بشكل أمومي
أضحكت الأصحاب

أمي التي تشبه الخرافة
وأكون جميلاً وأنا أطالعها

أخبروني : حتى ” قدماك ” لا تسير مع الإيقاع بشكل صحيح
و لا أعرف لماذا أخبرتهم :
” إنها تسير بشكل إنساني ”
يوصلون ضحكتهم و أواصل افتقادك …

في الحفلة أوزع قلبي
وأتذكر أنه كانت لي رغبة
أنْ أحضر عرضَ ضفيرتك الرمادية

أمي : لي رغبة في قضم الغياب
أمي : أصحابي سريعون
أمي : البنايات تزداد طولاً
وأنا كما أنا جوار تنورةٍ لكِ حمراء
أمي : لأظافر يدك قلبٌ إنساني
أمي : لعينك على خطوتي القادمة قلبٌ يستطيل

في الحفل وجدتُ أماً تخبر طفلها : لترقص جيداً ، قارب قدميك
وتذكرتك : حين تكون حزيناً ، لا تحزن
أنني أحبك باستفاضة
وأحتاجك لأنَّ الموتَ ليس مبرراً كافٍ لليتم

رغماً عني يصيبني قلقٌ على امرأةٍ ميتة
ابتسمتْ لي اليوم واحدة ، ذئبةٌ وجميله
ثم انزعجت سريعاً
رغم أنني لم أكن إلا شخصاً طبيعياً
حين ضحكتُ لها من قاع قلبي

يا أمي أعرف أشياء تمنعني من الرقص
فثمة صديق لزوجك أخبرني : تكتبُ على منوال الدم
وأخر يعتقد أنني أرسم دمعاتي وقتما أشاء
غير أنَّ الأمر لا يعدو أكثر من رغبةٍ في الحياة
وأنا بسبب الوقت ، أقيم ميزاناً
وصوتك راجح في شغفِ اليتامى

كنتِ كاذبةً بشأن الخمر يا أمي
إنه طيبٌ جداً ويروقني

انكسرت قصيدتي
بدأتُ في مشاهدةِ الصوت و سماع الزحام
بينما أشير لصوتي نحو عينك

هل تتذكرين عينك يا أمي ؟
كانت سوداء وتاريخ الليل يتظاهر في نهايتها
وأنا كثيراً ما وجدتني على عتبة الدار
حيثُ كلُّ يُتمٍ .. على عتبة الدار

صدقيني يا أمي
أنا جيد وفي حالٍ مزاجيٍ تشبهك
لكنني من حاجةٍ لأخرى
أفكر في دمعك الذي لا ينتهي ويسهر مع شرودي

أُبْعِد عيني عن الدرج ، أشيح بها عن دلالةِ الغبار
كي لا أصبح قارباً
سأعود إلى البيت ، سأجد الأوراق ولا أجدني
عليكِ وعلى صديقي الذي يفضل القصائد البيضاء
أنْ تسامحا قصيدتي الرديئة
أحب حياتي التي لا تقدم سوى هذا النوع من الكتابة

إنَّ رفاهية العهر لا تسمح لصاحب النظارات الجيدة
أنْ يأخذ شامةَ وجهها من قلبي
حلمتُ أن ” يوسف ” نبي الله
سرق وجهي بينما تشكلين الوداعة

أخبرني ، كن واقعياً ، لا تكتب لها قصيدة
هي تريدنا قوارب للمرح ، ” فتخشب ”
وأنا يا سيدتي ، ضحكت
إذ أنني رغم قروحي الصاخبة
لا أتحمل الحس الجماعي
كما أن رغبتها لي وحدي
إذ أنها جميلة

مُتعبٌ ، بينما الحفل يمتد
أراقب ” أدهم ” الذي يبكي كثيراً
كانت لي رغبة في أنْ أقبله
لكنني أعرفه ضعيفاً أكثر مما ينبغي
إنني أضحك الآن

مرةً تظاهرتُ بالكتابة
لتعرف الفتاة أنني شاعر
حين حكيتُ لضحكتك التي تشبه البكاء
أخبرتني : لا تنتظر ، كل شيء يأتي وحده
واليوم أذهب للبحر حيث أعود جميلاً
أتظاهر بعدم الانتظار ولم يأت أحد

يمرون و يخبرون
” أنت بحاجة لطبيب ، أنت بحاجة لخرافة ”
نعم أحب المخاوف كما أخبرتهم ، لكن التي تولد مني
لا التي تخرج في نوباتِ حس مفتعل
لي أنفٌ واحدة ، مثلهم
وكرجل عادي تماماً ، أحب الدفء والخريف

يؤلمني أنَّ النبض وحده ذريعة للغد
وأعرف أنَّ الحياة يلزمها بيت
وأنَّ الزمن يبتلع الرفاق

” ما أحلم به ، مشاع للآخرين ”

أُبْعِد تبغي خوفاً من هاجس ضفيرةٍ
دائماً ما تباغتُ غرفتي و تضحك

جميلةٌ يا أمي .. مقاعد المقهى البحري
خشبٌ ، قطيفة حمراء وسعفٌ لا يمنع المطر
أنْ يلامس أهدابَ حبيبةٍ سمراء

جميلةٌ هي الحياة ، بها أصحابٌ يخربشون الندم
بزجاجات وأحلام يصفونها بالصغيرة يا الله
يصنعون ذكرياتٍ وأسرةً دافئة بينما يمضغون الساعات
وأنت يا أمي تتناوبيني كحالاتِ الجسد والحالة
أحب العجز الخارج من مسافة أقضمها
لأستريح في ظلك

مرةً ساقتني الوحدة
لأشهر الوعي في وجه امرأة
رافقتها ولم أصل للبهجة
لكن حين دخنا سوياً على النافذة
وبينما أتابع قوارب تنزلق من عيني للحس
كانت تحكي :
” لم أكن أرغب أن أكون هكذا ، لكنني كنت ”
كان لي رجل ، أحبني ثم غادر للخطوة العامة
صرت أفتح الباب للريح
والخريف يزور رغبتي في البكاء كأم لا تمنع
أنا جيدة
أصفف شعري و أضحك من غزوات الشيب بلا شهية مني
ابتاع زجاجةَ عطر من متجر بالمدينة
به أرملةٌ صديقتي ، تشاركني البكاء على الأمس

أعرف الشعراء من مشيتهم ، أرافقهم لغرفتي
أنا جيدة ، لي بيت على البحر
حيث أدخن ، أسكر وأضحك من رجل
نسى صوته في غرفتي وسافر …
وبينما الحفل يخرج إلى الطريق
جاء رجل مهندم على كتفه ثلاث خيبات
ما أخبرنا إياه بطريقة رمزية ” ممنوع الفرح ”
لقد تشاجرت مع قلبه
صرخت ، سأرقص في مدرسة لفتياتٍ صغيرات
سيضحكن وستصاحبني واحدة مع نبيذ
ونمارس الحياة

يا أمي ، جميلة هي الحياة
وأنا أحرجت العالم ذات مرة ، إذ خلعت الخجل
لكن في خريفٍ بَعدك ، بينما الأشجار تبكي أوراقها
كانت لي رغبة في الرقص
تذكرت نصيحةً لكِ عن المعاطف التي يحبها الخريف
رجعت الدار وكنت مهموماً بأسئلةٍ كبيرة
كما يقول أبي

أحوز النسيان / السعادة
بعشرة جنيهات
لكنهم أخبروني ” هذا يُسمَّى فرار ”
وكانت كلماتٌ على وشك الفم .. ابتلعتها
إذ خفت أن أكون قديماً وأنا لا أعرف
” أطلقوا على البلهاء طيبة ، ليتسلل الحب ”
لم أخبرهم قطعاً …
حسبتها كلمات جديرة بمسيح
وفي أعوامي الأخيرة ، تعلمتُ شيئاً اسمه .. العبث
وحين أهداني أبي كتاباً ذات يوم ، وجدت العبثَ قديماً فضحكت
العبث ذاته الذي كنت أسميه :
” سيان الجينز والأغنيات التي لا تروق ”

أسند رأسي بخرافةٍ ، أواصلُ البحثَ عن أكواب الشاي
التي لا تغادرها غبرة الحذر من الأطفال
إلا حين يأتي لكِ أخ بجيب ثقيل
مهووس بالنظافةِ كونه لا يعرف الحياة

أبحث عن رباط رأس ، عن مشبك أحمر كنت أحسبه
فراشةً تلهو في ضفيرتك السوداء
أبحث عن الردهة القصيرة
وأمزح بطريقةٍ رديئة
” إنها تتمدد في الحنين ”

ها أنا ، يعلمني اليتمُ الخرافة
ها أنا شاعر رغمهم
كميثولوجيا في مقهى المدينة
أمامي مقعدان فارغان …
بحر وسؤالٌ كبير
معذرة يا أبي …
لو بكيت بما يكفي ، هل …… ؟

وبينما الفجر بسترته الفضية
يسقط على عتمتي
كانت لي رغبة أن أعود لصديق لي
تركته يتعثر في صوتي عن وجهك ِ

أعرف أنَّ ما أكتبه سيئٌ و مليءٌ بالتفاصيل
لكنها الحياة ، تعرفينها
لا تتذمري ، بل اضحكي

في صباحٍ كان مزاجي سيئاً
عيني على تاريخ الموتى بينما أنتظر
وكنتُ جيداً في صباحٍ آخر

إنها الحياة ، تعرفينها و تضحكين …

“وحدي أعرف أنني جميل”
لا بأس يا أمي ، كلُّ شيءٍ يأتي وحده
تصبحين على خير .