عصام الزهيري يحذر من “عيار طائش “

عصام الزهيري

سقط خالي علي عبد الفتاح من فوق حماره فزعا وامتلأت عباءته بالتراب ، حدث ذلك خلال إحدى المرات النادرة التي يرى فيها دون صحبة أحد من رجاله ، انطخ عليه عيار وطاشت الرصاصة فوق رأسه . في أحوال معينة يمكن التفكير ببساطة في أن الطلقة طائشة وأن الحادث كله ربما غير مقصود وبلا قيمة ، ومثل هذا التفكير كان واردا لو وقع الحادث خارج بلدنا الحافل بإرثه الحي من الثأر والتهلكة ، ولو كان الشخص الذي تعرض للحادث شخصا آخر غير خالي ما نتج عنه بالتأكيد كل ما تلاه من تداعيات دامية .بعد أن نهض خالي من الأرض ، التقط عمة رأسه التي وقعت ، ودون أن ينفض التراب عن عباءته تبع حماره الذي روّعه الدويّ فلم يتوقف عن الركض حتى وصل الدار .
ما إن عرف الخبر حتى انطلقت التكهنات . وأمام دار علي عبد الفتاح اجتمع جمهور صغير لا يكف عن اللغط ، كنت واحدا منه ورأيت خالي وهو يخرج من باب داره محاطا بالرجال وملوحا بعباءته المتربة . سكن الهواء ولم يأت من الجمع أي صوت . وسمعت خالي وهو ينطق بأغرب تهديد لم يسمع بمثله من قبل ، بصوته الجهوري الخشن خطب في الجمع كزعيم مغدور :
ـ اللي عملها مش هيفلت وعبايتي هتفضل بترابها لحد ما يعرفوا شغلهم ، تلاته..
وهنا أشار بأصابع ثلاثة منتصبة جاعلا من السبابة والإبهام دائرة ملتحمة علامة الوعيد . سرت همهمة خافتة قطعها صوت خالي من جديد .
ـ وقوعي من فوق الحمار برجل .. وقوع العمة برجل .. رجوعي البيت على رجليه برجل
لم يكن خالي مجنونا ولا غريب الأطوار في يوم من الأيام . فقط كان معروفا بشراسته التي كانت دائما في غير حاجة إلى مبرر كي تعلن عن نفسها بقسوة ، وكانت الحكايات التي تدور حولها أقرب إلى مبالغات الماضي بفظائعه الدموية . رغم ذلك كان أهل البلد يقدرون شراسته بل ويتعاطفون معها لأنها جديرة بكبير عائلة اجتمعت على عائلته ثلاث ثارات لثلاث عائلات مختلفة . كانت شراسة خالي المعروفة على نطاق عدة بلاد هي المشجع الوحيد للمطالبين بدمائهم على نسيانها .
لكن الشراسة وحدها لم تكن لتصنع شهرة كالتي حظي بها علي عبد الفتاح . كان الذكاء هو صفته الأخرى البارزة ، ذكاء في الشر عجز العاديين من أمثالي دائما عن إدراك مخططاته الغامضة .كنت صبيا وقتها لكنني كنت أعلم كالجميع أن الدولة بكل أجهزتها الجبارة كانت عاجزة عن إثبات الصلة بين خالي علي عبد الفتاح وبين عدة جرائم لا يتطرق الشك في أنة مرتكبها ، قتل وسرقة واغتصاب أراض وتزوير عقود ، منها اكتسب خالي ثروته التي لم يكن ثمة من سبيل إلى عدم المبالغة بشأنها كما اكتسب هالة الأحقاد التي طوّقته كقديس أينما ذهب .
عقب أسبوع كانت قد راجت فكرة غامضة حول غرابة أطوار علي عبد الفتاح ، ظهر في السوق محاطا برجاله ، توقفوا أمام فرشة عجّور تتبع محمد الرشيدي . أطلت من عينيّ خالي نظرة استهانة ، حتما تحسست أصابع الرشيدي فرده المدسوس في كومة العجّور ، مال جذع خالي ببدانته المهيبة ، التقط ثمرة بهدوء ومضي بها دون كلمة.
حدّث الرشيدي كل من يعرفهم . اقسم أنة لم ير الثمرة التي التقطها خالي من قبل رغم أنة صباحا فحص الكومة واحدة واحدة. وسخر كل من يعرفونه من وساوسه حين أصر علي وجود صلة بين ثمرته والثأر المتوارث بين عائلته وعائلة علي عبد الفتاح ، ذلك أن ثمرة العجّور كانت ظاهرة العطب.
لثلاثة أيام نشر الرشيدي ما اعتبره الجميع خرافة وفي مساء اليوم الرابع وجد مقتولا في حقله بالقرب من بهائمه.
وأحدث مقتله ارتباكا لم يدع بعد ذلك مجالا للحقائق ، كان من الصعب التفكير في قاتل آخر غير علي عبد الفتاح ، ومن ناحية أخرى لم يكن من المفهوم افتراض صلة بين مقتل الرشيدي وعيار خالي الطائش.
من بين الجميع بدا لي أخي اكثر الناس غضبا . مع أنه لم يبدأ الأربعين من عمره وقتها كان هو الكبير بعد موت أبي ، ومنحته هذه الوضعية عصبية مستمرة وشعور غير مسبوق بالمسئولية إزاء ثأر عائلتنا المنسي ، كما منحته فرشة البطيخ التي كان يضعها قبالة فرشة الرشيدي مكانة الشاهد . وفي المرة الأولي عندما تكلم قال :
ـ اسألوني أنا .. تحقيقات البوليس فشوش .. كلام النسوان فشوش .. لا أحد فعلها غير علي عبد الفتاح.
ظل يكرر نفس الكلمات حتى اكسبها بالتكرار كل ما في صدره من غل ،وفي كل مرة عند ما يذكر النسوان كان لا يقصد سوى أمي ، منذ مقتل الرشيدى ازدادت حدة الشجار بين أخي و أمي ، ولم تكن شراسة أحدهما في مواجهة الآخر تقل بأي حال عن شراسة خالي .كان أخي متحفزا دائما للرد عليها على خلاف ما كان يحدث قبل مقتل الرشيدي ، لكنى لا أستطيع أن أؤكد الآن أنه كان متجنيا في كل الأحوال .كان أخي مغرما بالأحاديث وكانت أمي مغرمة بمخالفته ، لكن القسوة التي تطل من عينيها وكلماتها فقط كلما تعلق الحديث بخالي كانت تصيبه بالجنون وتورطه في الشجار معها . ويلوح لي بعد هذا العمر أن مناصرتها العاصفة لخالي كان أمرا يتعدى عاطفة الاخوة بينهما إلى غرام أمي بالقسوة علي الآخرين واحتقارهم ،كان زواجها الفاشل من أبى تتويجا ساخرا لعلاقة الصلح بين العائلتين.
كل شجار بين أخي وأمي كان ينتهي دائما نفس النهاية ، حين يجن أخي ويفقد صوابه يفر لاعنا للخارج وتستكمل أمي شجارا من طرف واحد مع زوجته . وظل هذا كل ما يحدث حتى استيقظت ذات صباح على شجارهما المبكر سمعت ركلا عنيفا لباب الدار ثم صراخ أخي الساخط من الخارج :
ـ اتفو عليك وعلى ميتينك .
وقبل الظهيرة جاءنا الخبر ظهر خالي في السوق هذا اليوم ، لسبب غير معروف كان وحده دون أحد من رجاله ، توقف أمام فرشة البطيخ ومال عليه ، قبل أن يلمسه تلقى في الرأس مباشرة رصاصة من طبنجة أخي .
هل أراد خالي أن يكرر الإشارة إلى أخي كما فعل مع الرشيدى أم أنه أراد أن يكرر ببساطة ما فعلة من قبل لينفي عن نفسه التهمة ؟
حتى الآن لا أحد يعرف !