الحد الأدنى للأجور وحمرة الخجل

محمد نور الدين

أصبح الحديث عن الحد الأدنى للأجور في مصر أقرب للمسرحية الهزلية. القضاء الإداري ألزم الحكومة بوضع حد أدنى للأجور يسرى على العاملين في الحكومة والقطاع العام والقطاع الخاص. وأبرز الحكم أن الحكومة تجاهلت وضع هذا الحد الأدنى لسنوات طويلة مهملة بذلك القيام بأحد واجباتها الأساسية. لكن الحكومة بما أنها تعبر عن شعبنا اعترضت على ذلك وقامت برفع دعوى مضادة أمام القضاء ، لان معنى الالتزام به أن العمال والموظفين  يمكن أن تتحسن أحوالهم المعيشية ، وهو ما ترى الحكومة أنه سيؤثر سلبا على إنتاجيتهم وقدرتهم على العمل وربما على كونهم مواطنين صالحين. أكد القضاء مرة ثانية حكمة بإلزام الحكومة بوضع حد أدني للأجور، لكن الحكومة تماطل ” وتفاصل ” وكأنها ستدفع أو تقرر أن تدفع لمواطني بلد آخر وليس لشريحة كبيرة من مواطني الدولة التي تحكمها.

الدراسات التي قدمت لمحكمة القضاء الإداري تثبت أن الحد الأدنى للأجور يتعين ألا يقل عن 1200 جنيه شهريا ، وهو ما يمكن أن يكفل حياة كريمة للعمال والموظفين، بحيث يقومون  بإشباع الحد الأدنى من احتياجاتهم واحتياجات أسرهم من الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الصحية والانتقال. إلا أن الحكومة في إطار مماطلاتها تقترح أشياء مثيرة للضحك، فهي تقول أن 185 جنيها في الشهر كافية لإعاشة الإنسان في مصر، وأن 400 جنيه شهريا تصلح لأن تكون حدا أدني للأجور.

وهنا من الضروري أن نتساءل بجدية عن قيمة إل 400 جنيه ، وما يمكن أن تغطيه من إنفاق على  بند واحد هو بند الطعام ، في ظل الارتفاعات المتوالية في الأسعار بعد أن رفعت الحكومة يدها عن تحديد أسعار البيع وتركت لكل من ينتج أو يبيع سلعة أن يحدد سعرها وما يربحه من بيعها كما يشاء دون قيود على الإطلاق. وكم من السنين سيمر على العامل أو الموظف الذي يتقاضى مثل هذا الأجر قبل أن يتمكن من شراء ملابس جديدة, ولن نقول قبل أن يتمكن من الحصول على مسكن ملائم.

إن الحد الأدنى للأجور يتعين أن يكفل ليس فقط الإبقاء على حياة العامل والموظف بشكل بيولوجي، ولكن أن يمكنه من القيام بعمله على الوجه اللائق وهو ما يعني إشباع حاجاته الأساسية من الغذاء والملبس والمسكن والخدمات الصحية، وما يمكنه من الانتقال بين مسكنه و مقر عمله على نحو إنساني لا يبدد قوته .

لقد قامت الحكومة منذ سنوات بإلغاء الحدود القصوى للأجور والمرتبات، وتركت الباب مفتوحا لزياداتها إلى مالا نهاية، كما قامت بإلغاء الحدود القصوى لنسب الربح التي كان يتعين الالتزام بها لمن يبيع سلعة أو خدمة في السوق المصرية ، وألغت الحدود القصوى لتوزيعات أرباح الشركات، بل وأعفت هذه التوزيعات من الضريبة على الدخل، وسمحت بذلك للعديدين بالحصول على مرتبات تصل إلى ربع مليون جنيه في الشهر الواحد، ودخول بأرقام فلكية  لا داعي لذكرها هنا. وفي مقابل ذلك كله تستكثر أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 1200 جنيها في الشهر.

إنني أدعو إلى معيار جديد لوضع الحد الأدنى للأجور اسمه ” حمرة الخجل “

[email protected]