دكتور مصطفى نور الدين يكتب : التمرد الفرنسي.. موعدنا غدا

  • المظاهرات الفرنسية حملت شعار ” 60 سنة من الاستغلال خذوا الأموال من خزائن أصحاب العمل”
  • 3,5 مليون فرنسي خرجوا في 7 مظاهرات عملاقة احتجاجا ضد قانون التقاعد الجديد

انشغلت وسائل الإعلام في العالم طوال أسابيع بحركة التمرد الفرنسي ضد قانون التقاعد الجديد نظرا للتعبئة التي جمعت نحو 3 مليون ونصف المليون مواطن في لحظات المد وكذا نظرا لطول فترة الاحتجاجات في 7 مظاهرات عملاقة. بالإضافة لذلك لأن الاحتجاجات جمعت بين المظاهرات والإضراب عن العمل علاوة على أنها أشد حركة تحدث في عهد الرئيس ساركوزي. وجاءت الشعارات التي ترفعها للتعبير عن غضب عام حيال سياسات الحكومة الليبرالية.

فالقانون الخاص بالتقاعد ليس إلا واحدا من تلك السياسات التي تدوم منذ وصول الرئيس نيكولا ساركوزي للرئاسة في 2007. وهدف القانون هو إطالة سنوات العمل من 60 سنة إلى 62 لكي يحق للعاملين الخروج على المعاش. يضاف لزوم أن يكون الاستقطاع من الأجور لمدة 42 سنة لمن شاء التمتع بمعاش كامل أي نحو نصف آخر أجر.

وبرغم هذه الحشود لم تطرح المظاهرات في أي لحظة أن هدفها إسقاط حكم. ففي الديمقراطية يسمى هذا الإسقاط هزيمة الحكم انتخابيا وإحضار نقيضه أو في أسوء الأحوال الأقل سوءا. وحتى الأحزاب السياسية التي تسمى بالجذرية أو بالمتشددة كانت مطلبها هو سحب القانون أو الدخول في تفاوض. فالتعبئة لم يكن هدفها انجاز ثورة. فلقد توفرت في حركة مايو 68 الشروط الفعلية لثورة ولم تطرح الأحزاب أو النقابات شعار الثورة. برغم ان الحزب الشيوعي كان يحصد حينها في الانتخابات 22 % من أصوات الناخبين. فالفلسفة السياسية في الغرب أو في فرنسا، موضوعنا، هي أن التحول يتم في صناديق الانتخابات وهو تحول مضمون النتيجة كلية فلا تزوير ممكن حدوثه.

فالمظاهرات والإضرابات عن العمل هي للتصدي لسياسات تهدد بإحداث تغير هام في الواقع الاقتصادي والاجتماعي يدرك من يعارضه من المواطنين أنه في غير مصلحته. ويجسد ذلك الشعارات المطروحة مثل: “60 سنة من الاستغلال خذوا الأموال من خزائن أصحاب العمل” و “هل للفقراء مملكة السموات وللأثرياء جنات التهرب الضرائبي !”. وتبلور الشعارات مطالب مثل:”التقاعد عند 60 سنة وبمعاش 75 % من الأجر”..  وحتى لو كانت الشعارات المرفوعة حادة فهو نوع من “المجاز” للتعبير عن الغضب العام الذي يتواجد في أنشطة متعددة مثل شعار:”التعليم.. العدالة.. الصحة في خطر.. نحو إضراب عام” و”نحن ضد سياسات الحكومة بالمدارس والجامعات والمستشفيات وبشأن التقاعد وضد الدولة الساركوزية” و”أعمل وأستهلك وأفطس”و ” قريبا العودة للعبودية ؟” و”بلغت الليبرالية سن التقاعد”.. و”ساركوزي إلى سانت هيلين” .. أي يجب نفيه إلى الجزيرة التي تم نفي “نابليون بونابرت” فيها.

وفي داخل الحركة التي تقودها النقابات الكبرى والأحزاب السياسية المعارضة و الجمعيات والمنظمات الأهلية نلحظ أن كلمات الشعارات جاءت لتعبر عن المطالب الفعلية فهي حين ترفع شعارات أخرى لكي لتظهر أن هناك الكثير من السياسات تغضبها. من هنا فالقول بأن “مظاهرات مليونية لإسقاط النظام الفرنسي فشلت” حجة غير صحيحة لفرضية لم توجد أساسا ولا في الخيال السياسي لأي حزب. وكذلك ففشل الحركة في إسقاط قانون ليس بقاعدة مطلقة فلقد أجبرت مظاهرات متعددة في غضون السنوات العشرة الأخيرة إلى تراجع الدولة عن قوانين تم الموافقة عليها من البرلمان ومن مجلس الشيوخ. وتم التراجع أمام مظاهرات اقل من مليونية عن أحداث تغيرات اقل شأنا وعلى سبيل المثال “أن يدرس في كتب التاريخ أن الفترة الاستعمارية لم تكن كلها شرور ونقمة على المستعمرات وبالتالي فهناك ايجابيات من الاستعمار”. فهذه الفكرة الساركوزية ثار عليها الطلبة والتلاميذ والمعلمين والمؤرخين والمثقفين وتراجعت الدولة عن تضمين تلك الفكرة في كتب التاريخ. وهناك العديد من الحالات المماثلة التي قاد فيها الرفض لتراجع الدولة لأن الرفض وضع نقطة محددة للرفض وهدفه التوصل لتصحيحها. أي لم يطرح قضايا فضفاضة لا يلتف حولها الشعب فسوف يضحك الجميع ساخرين لو طرح أحدهم أن الهدف هو إسقاط النظام إذ يعرف أن إسقاطه سهل بإعطاء البديل الحكم في الانتخابات.

ويجب التنويه إلى أن القرار في داخل الحركة النقابية الفرنسية تتخذه القاعدة. فهي التي تصوت يوميا على استمرار الحركة وشكلها بتصويت سري أو برفع الأيدي. فالفرنسيون لا يخجلون في إعلان اختلافهم. فرفض شخص لمواصلة الإضراب عن العمل لن تصمه بالعمالة للنظام، مثلا، وفي النهاية الغالبية هي التي يؤخذ قرارها في الاعتبار ويحترم من الجميع. وهذا لا يمنع من وجود تناقضات وصراعات بين القاعدة وبين قادة النقابات الذين تم انتخابهم داخليا وليس تعينهم من قبل الدولة.

وفيما يخص النقابات الطلابية (للجامعات) ونقابات التلاميذ (المدارس) التي شاركت في الاحتجاج فهي ما يماثل اتحاد الطلاب في مصر. وهي نقابات مستقلة كلية عن النقابات العمالية والمهنية وتتخذ قراراتها بناء على تحليلاتها السياسية المستقلة والتي تلتقي مع المطالب العامة للمواطنين أو تخص مصالحهم المباشرة. وقوة النقابات الطلابية تأتي من عدم الخلط بين نشاطها ونقابات العاملين. بمعنى أنها نقابات متوازية في اجتماعاتها وأنشطتها حتى لا يقال بأن الطلبة والتلاميذ تم التلاعب بهم والتأثير عليهم. فالجميع يتوحد في الحركة في الشارع بالمشاركة لكل فئة موقعها في مسيرة المظاهرة محدد من قبل المنظمين.

يضاف أن كل نقابة لها برنامج وفلسفة تقترب من هذا الحزب السياسي أو ذاك ولكنها مستقلة في قراراتها عن الأحزاب. ولقد رأينا أن الأحزاب تغير من شعاراتها لكي تتطابق مع شعارات النقابات وهذا يكشف أن التأثير من جهة على أخرى يحدث ولكن الشرط الموضوعي هو الذي يحدد الشعار الصحيح والتكتيك والإستراتيجية وهي كلها معطيات يتم تغيرها بناء على الشرطين الموضوعي والذاتي للحركة.

فمن يشارك في المظاهرات يرفع لافتتين واحدة لانتمائه المهني والثانية لانتمائه النقابي أو الحزبي. فمثلا يرفع العاملون بصناعة السيارات ذلك كلافتة مهنية وفي داخل نفس المجموعة يرفع البعض أعلاما لهذا الحزب أو ذاك وهذه النقابة أو تلك. فهذا التنوع الإيديولوجي يتعايش في داخل “الجسد المهني” الواحد. فهي حرية الاختيار في الانتماء للتعبير عن مطلب ولكن بتقديم تصورات مختلفة لحل إشكال.. إما بالمطالبة بإلغاء القانون لدي البعض أو بالتفاوض مع الحكومة لدي الغير للتوصل لقانون عادل.

فلكي تضمن حركة الرفض استمرارية لابد أن تضع الحد الأدنى للتوافق على المطالب وعلى أشكال الرفض وإلى أي مدى يمكن أن تذهب به للضغط على الحكومة. وهذا لم يتحقق بما يكفي فمطالب النقابات وتلك التي تنادي بها أحزاب المعارضة بها تباين. مع ضرورة الوعي بأن لكل نقابة لونها السياسي. فبشأن مسألة التقاعد نجد نقابة تطالب بأن يكون إصلاح نظام التقاعد بوضع سياسة جديدة تقوم على :”زيادة نسبة الاستقطاع من الأجر وكذا زيادة نسبة الضرائب المفروضة على أرباح رأس المال بجانب رفع هذه الضرائب بنسبة 3 % إضافية على الأرباح التي لا يوجهها أصحاب العمل للاستثمار.” وتذهب نقابة أخرى “لفكرة تمويل التقاعد من موارد مالية لا تمس أجور العاملين” وأخرى أن يكون التمويل من العلاوات التشجيعية التي تمنح للعاملين (علاوات تمنح بناء على درجة التفاني في العمل وتحسين الإنتاجية ورفعها وتصرف بعد تراكم لمدة 5 سنوات أو 10 سنوات). وأن تلك السياسة تتحقق بفرض ضرائب عليها بنسبة 15 % بدلا من 4 % الآن أي أن تكون بنفس نسبة الضريبية التي يدفعها صاحب العمل للدولة على أجر كل عامل. يضاف لذلك رفع نسبة مساهمة الضريبة التي تستقطع مباشرة من كل أجر أو دخل لتمويل صندوق التأمينات الاجتماعية.

وبناء على تلك النظرة غير الموحدة للتوصل لحل مسألة التقاعد يتضح نقطة الضعف إذ لم تتفق النقابات على رؤية موحدة تتقدم بها في مواجهة قانون الحكومة.

ويلزم الإشارة إلى أن المظاهرات لا تنظمها النقابات والأحزاب فحسب إذ يشترك في تنظمها عشرات الجمعيات والمنظمات التي تهتم بحقوق الإنسان أو بالمرأة أو بالمهاجرين أو بالبيئة أو العمران أو الطفولة أو من الفوضويين أو المهتمين بالعاطلين عن العمل.

فالمظاهرات قد تعاود احتلال شوارع المدن وربما تعود الإضرابات عن العمل أيضا برغم ان أهم الإضرابات التي شلت معامل تكرير البترول والسكك الحديدية توقفت بعد استمرارها لأكثر من أسبوعين.

وإن كانت هناك عقبات تتعرض لها حركة الاعتراض فتعود إلى أن القانون تم إقرار من البرلمان نهائيا ويشعر البعض أن الحكومة لن تتراجع. يضاف أن الإضراب عن العمل له وطأة مادية على المضربين لأن أيام الغياب عن العمل تخصم من الأجر.

علاوة على ذلك لجأت الدولة لقانون يجبر تجنيد المضربين لمواصلة العمل تحت بند “الدفاع الوطني” وهو مخالف لحق الإضراب الذي أقره الدستور ولكن الدستور يخضع لما ينص عليه القانون.

ويذكر هذا النمط من القرارات التي تتخذها الدولة لكسر الإضرابات والاعتراض الشعبي بممارسة أكثر عنفا مارسها الرئيس الأمريكي “رونالد ريجان”، في أغسطس 1981، عندما طرد 11 ألفا من مراقبي الطيران المدني من وظائفهم حينما قاموا بإضراب عن العمل واسلم عملهم لمراقبين عسكريين. ويذكر أيضا بموقف رئيسة الوزراء البريطانية، “مارجريت تاتشر”، في 1984، وموقفها الحديدي الذي أستمر بضعة أشهر لإجهاض صراع العاملين في الحفاظ على حقوقهم والانتهاء بانتصار الليبرالية وعودة عمال المناجم المضربين إلى العمل وقبول إغلاق 20 منجما للفحم اعتبرتهم الحكومة البريطانية غير مربحة.

ولذلك فان مظاهرات يوم 6 نوفمبر لو تمت ستكون مقياسا هاما فهي آخر محاولة للضغط لكي لا يعتمد رئيس الجمهورية قانون التقاعد في منتصف نوفمبر. ولكن من الصعب تصور ساركوزي يتراجع لأنه صاحب القانون ويشاركه في صياغته نقابات أصحاب العمل.

ولقد تسائل بعض المحللين لماذا يحتج الشعب الفرنسي بهذه الدرجة في حين أن في بريطانيا تحدث تعديلات مماثلة وفي أسبانيا وفي اليونان إلا أن درجة الغضب ليست بهذا الحد من التعبئة؟ والإجابة لا نجدها في أسباب وراثية في دم الفرنسيين ولكن في الوعي الذي يدركونه بأن الليبرالية الجديدة تحرمهم من حقوق ناضلوا من أجل الحصول عليها عشرات السنين. وأن هذه السياسات هي عودة للخلف للأوضاع التي كانت عليه ما قبل الحرب العالمية الثانية.

وفي ظل هذه الوضعية فإن النقابات إن بدأت تعد للتراجع ولو مرحليا كما يكشف كلام أحد كبار قادتها بقوله :”إن معركتنا مستمرة لشهور ولسنوات حتى نسقط القانون” فإن ذلك يعني ان موعدنا لنقول كلمتنا في انتخابات رئاسة 2012 وما بعدها باختيار بديل جديد لليمين الليبرالي الحاكم.