مدحت الزاهد يحلل: إسرائيل وخلافة مبارك.. تصريحات الحرب النفسية

  • رئيس مخابرات إسرائيل يحاول إشعال حريق في البيت المصري ويلعب في الصراع على خلافة مبارك
  • رئيس “أمان” السابق أطلق تصريحاته في وقت تشهد فيه مصر احتقان طائفي ليصب الزيت على النار
  • تل أبيب مهتمة بإشعال الفتنة في مصر.. وتضع إضعاف القدرات المصرية الخارجية على رأس أولوياتها
  • عاموس يادلين يحاول أن يصور كل ما يحدث في مصر فشل من القاهرة في صد “اختراق” مزعوم

مدحت الزاهد:

أدلى رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق، عاموس يادلين، بتصريحات مثيرة حول نشاط الاستخبارات الإسرائيلية في مصر، وعدد من الدول العربية، لم يكن القصد منها بالقطع الكشف عن أسرار عمل الأجهزة الاستخباراتية، بل الإيحاء برسائل أخرى مريبة.

قال يادلين: إن مسرح عمليات الجهاز شمل المنطقة المحيطة كلها، وأن مصر تقع في القلب من أنشطته، ولا تزال تشكل أحد أهم مسارح عملياته، وقد تطور العمل في مصر حسب الخطة المرسومة منذ عام 1979، فقد أحدثنا اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية في أكثر من موقع ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائما ومنقسمة، لتعميق حالة الاهتراء داخل البيئة والمجتمع والدولة المصرية.

فهل يمكن النظر إلى هذه التصريحات على أنها تصريحات بريئة تعكس “الشفافية الإسرائيلية” أو تصريحات مغرضة تصدر في إطار الحرب النفسية وتستهدف إثارة الشك والهواجس بين المصريين ومضاعفة الاحتقان، نتيجة الشكوك في تحت “الطابور الخامس” المصري، الذي يقصده يادلين.

وما يثير الريبة في هذه التصريحات أنه ليس مألوفا أن يصدر عن مخابرات الدول تصريحات عن الأنشطة والاختراقات “الراهنة” في دول ترتبط معها بمعاهدات سلام وعلاقات طبيعية.. بل على العكس ففي كل ما يتصل بالحاضر تخفى أجهزة المخابرات أصابعها، وتموه على أنشطتها، بل أن ذلك قد يحدث حتى مع الدول المعادية، فلم تعترف إسرائيل صراحة بمسئوليتها عن اغتيال عماد مغنية.. أو ضرب مفاعل دير الزور السوري.. من هنا وحتى تخفى إسرائيل الهدف من التصريحات وتتجاوز الحساسيات البروتوكولية أوردتها على لسان رئيس الاستخبارت العسكرية (أمان) يوم تقاعده وفقدانه صفة “موظف رسمي” .. ومن هنا يجوز القول أن المسألة ليست زلة لسان، وأن وراء الأكمة ما ورائها.

ومن اللافت أن هذه التصريحات صدرت متزامنة مع أجواء احتقان طائفي في مصر زادته تصريحات الأنبا بيشوى حول حول اعتبار المسلمين ضيوفا في مصر و استعداد المسيحيين للاستشهاد دفاعا عن الكنائس وتصريحات نسبت لـ د. سليم العوا حول تخزين سلاح في الكنائس تم تهريبه بمساعدة إسرائيلية، وهى التصريحات التي نفاها د. العوا فيما بعد،، منبها إلى أنه كان يتحدث عن واقعة محددة تم تعميمها وتحريفها في بعض أجهزة الإعلام.

ومن هنا يبدو واضحا أن عاموس يادلين أراد أن يسكب الزيت على النار ويزيد أجواء الاحتقان والشك اشتعالا لكي يغذى عملية ومحاولة تقسيم مصر إلى ثنائية: المسلم – المسيحي تجمعهما حالة عداء وليس المشاركة في المواطنة.

وعلينا أن نفهم طبقا ليادين أن كل توتر اجتماعي واحتقان طائفي يحدث في مصر يتم بفعل العبقرية الإسرائيلية في الاختراق،  والخيبة المصرية في صد الاختراقات، وليس تشوهات تعود إلى البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، تستوجب التغيير.. ولان الغرض مرض فإن جل اهتمام عاموس هو إشعال حريق في البيت المصري.

و لا تقتصر تصريحات عاموس على هذا الجانب، إذ من الواضح أنه يحاول بطريقة غير مباشرة التدخل في الجدل الدائر حول صراع أجهزة السلطة على خلافة مبارك، ما بين مرشح الأجهزة الأمنية السيادية ومرشح التوريث، لصالح الأخير.

فعندما يدلى الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية بتصريحات عن إحراز تفوق أمنى في مجالات عديدة في مصر فكأنه يعمد إلى التقليل والخصم من قدرات أجهزة المخابرات العسكرية والعامة بالإيحاء بفشلها في القيام بوظائفها في صد الاختراق..

وإسرائيل معنية بقضية الخلافة في مصر و سبق لـ د. مصطفى الفقى الإدلاء بتصريحات قال فيها أن مرشح الرئاسة في مصر يلزمه موافقة أمريكا وعدم ممانعة إسرائيل، وهى التصريحات التي تراجع عنها فيما بعد عندما سأله الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: متى وكيف ولماذا أصبح لأمريكا وإسرائيل هذا النفوذ؟

وكانت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية قد تناولت في تقرير لها مسألة الخلافة وترشيح جمال مبارك وذكرت: إن جمال مبارك قام بإعداد زيارة والده لواشنطن العام الماضي بعد خمس سنوات من غياب الرئيس المصري عن الولايات المتحدة، كما أن جمال قام بلقاء الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، والذي كان يعرفه قبل أن يتولي الرئاسة بباريس وخلال توليه منصب وزير الداخلية الفرنسي، ومؤخرًا انضم جمال إلي والده في قمة السلام بواشنطن أوائل هذا الشهر والتي افتتحت جولات المفاوضات بين تل أبيب ورام الله، وزعمت هاارتس في تقريرها أن جمال مبارك يقيم «علاقات ممتازة» مع رجال أعمال إسرائيليين، وهو الأمر الذي يعد بـ «التجديد» في السياسة المصرية” لكنها لم تذكر أسماء رجال الأعمال الإسرائيليين، وان توسعت في ذكر أسماء رجال الأعمال المصريين الذين يدعمون جمال.
وأشارت الصحيفة الإسرائيلية إلي أن جمال ليس له أي خلفية عسكرية مثل والده والرئيسين السابقين بمصر جمال عبد الناصر وأنور السادات، مضيفة في تقريرها أن جمال رجل أعمال ذو «خلفية بنكية مصرفية» كما يمتلك قدرات تجارية حصل عليها خلال عمله بـ «بنك أوف أمريكا».

والخلاصة أن تل أبيب مهتمة بإشعال الفتنة في البيت المصري، وأنها تولى عناية فائقة بإضعاف وتفكيك الوضع المصري من جهة.. وإضعاف الجيش المصري والأجهزة الأمنية الخارجية بصرف النظر عن طبيعة العلاقات مع النظام الحاكم ومدى استجابته للمصالح الإسرائيلية.

فالسؤال عما إذا كانت التصريحات بريئة لا يعنى أنها غير صحيحة فجهاز المخابرات الإسرائيلية لم ولن يتوقف عن محاولات إضعاف مصر، بصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي، فهي إن لم تكن عدوا مباشرا الآن، فهي عدو أكيد في المستقبل.. وجهاز المخابرات الاسرائيلى لا يكشف أوراقه إلا عندما يكون هذا الكشف اضطراريا، وهو ما لا يتوفر في هذه الحالة، أو عندما تريد الإيحاء برسائل أخرى، وهو ما يتوفر فيها بكل تأكيد.

وفى كل الأحوال فإن الوضع المصري ينطوي على علامات خطر ليست من صنع إسرائيل، فمشاكل المجتمعات هي من اختراعها أولا، مهما تحاول الأطراف المعادية تفجيرها، وحلها ليس بالتدابير الأمنية وحدها، بل في الأساس بتجفيف منابعها السياسية والاجتماعية والثقافية، فالوضع الأمني هو المحصلة النهائية للوضع السياسي والاجتماعي.

وتجفيف المنابع طريقه بعيد عما يوحى به مسئولو المخابرات الإسرائيلية .. أنه المواجهة الشاملة تحقيقا للعدل والمساواة والحرية.. وهو ما يمنح دعوة التغيير حافزا إضافيا.

وأكثر ما أضعف مصر، ليس المزاعم الإسرائيلية عن الاختراق، بل الفساد الذي ترعرع في حضن السلطة.. والطائفية .. والاستبداد المحمى بقانون الطوارئ .. والتطبيع الذي تدفق ساخنا عبر أنابيب الغاز.. وغزل طلاب السلطة في مصر لحكام تل أبيب .. واستجابتها بغزل غير عفيف على لسان رئيس مخابرات إسرائيل.