د.محمد السيد سعيد.. عشوائية رياضية

اسباب التقصير فى الرياضة كما ظهر فى أوليمبياد بكين لا تختلف عنها فى أى مجال أخر: الأزمات التمويلية المزمنة والفساد والركود البيروقراطى والجيلى والصراعات العصبوية والافتقار لرؤية طموحة ولارادة حقيقية للنهضة.
دمرت هذه الكيمياء السامة الرياضة المصرية مثلما دمرت كل شىء أخر حتى الحشائش فى الأرض والسحب فى السماء.
انعكست الأزمة المالية الممتدة للدولة على ضعف وانكماش البنية الأساسية فى كل مجال. وأدت ضعف المرتبات والأجور الى تدهور مذهل لمعنويات القطاع الأكبر من العاملين. ولما لم يطرح نظام مبارك أى بديل ولما لم تكن لديه أية رسالة وطنية أو أخلاقية تلهم وتعوض الناس عن التضحية بحاجاتهم الأساسية فكان من الطبيعى أن يتركوا عملهم الأصلى ويصبون اهتمامهم فى البحث عن الرزق من أعمال اضافية.
أما الميزانيات الرسمية فلا تصرف فى عمل منهجى ودائم. ودرجت القيادات العليا فى كل مكان على ان “تصرفها على نفسها” فلا يبقى فى الرياضة للتدريب وغيره من المهام سوى الفتات. ونعلم من نتائج أوليمبياد بكين أن الرياضة الأوليمبية نشاط مكلف حتى بالنسبة لبعض الدول الصناعية المتقدمة. ولذلك يحتاج تحقيق انجاز رياضى الى رؤية: هل نريدها لننافس أمريكا والصين وروسيا أم لنمكن المصريين جميعا من امتلاك أسلوب حياة صحى وفيه متعة مستحقة بعد عمل شاق؟
ليس لدينا سوى شريحة رقيقة جدا فى البلد هى التى تعمل عملا شاقا وهى مجبرة على ممارسة رياضة وحيدة وهى الثبات أمام طوفان من الهمبكة والفساد والمنجفة والهنجفة والنفاق السياسى والشخصى المؤلم للروح.
وهذا هو ما يحدث فى الرياضة. مشكلة الرياضة هى أيضا التدخل السياسى الجاهل الذى يريد تحقيق انجازات بنفس المنهج العشوائى والاستعراضى والاحتفالاتى المطبق فى كل مجال آخر. وبينما لا تحدث فضائح فى كثير من المجالات ففضائح الرياضة لا يمكن تجنبها لأنها واحدة من أكثر القطاعات اشتباكا مع العالم حيث لا يكاد يبقى يوم ليست فيه منافسات رياضية عالمية.
من يشكون من فقدان الارادة السياسية ليس لهم حق فى مجال الرياضة. هنا تجد الارادة السياسية لأنها أكثر شىء يهم القيادة العليا, ولكن هنا أيضا تجد نموذجا حيا للسياسات العشوائية والتدخلية الارتجالية.
وفى الرياضة مثل كل مجال أخر يؤدى الصراع على المناصب والمال الى ظاهرة “فرش الملاية” طوال الوقت. وتنقسم القيادات العليا والوسيطة الى عصب أو عصابات تمارس رياضة الشتائم والخناقات على نحو يومى وهو ما يطفش كل من لديه موهبة حقة أو يزهق روحها المعنوية.