د.محمد السيد سعيد.. اللجنة العربية

ان زرت يوما مقر اللجنة العربية لحقوق الانسان فى أحدى الأحياء الفقيرة لمدينة باريس لتعجبت كيف يصدر هذا الكم من النشاط الحقوقى المهنى الدقيق من هذا الحيز الضيق والبسيط. والأعجب أن هذا النشاط المدهش لا يتكلف سوى كسر من واحد فى المئة مما تنفقه بعض المنظمات الاقليمية والدولية التى تتجاوز ميزانياتها الملايين دون أن تقوم بهذا الكم من العمل. ويعود السر الى الاعتماد الكامل على العمل التطوعى والذهد الواضح لقيادات وكوادر هذه اللجنة وخاصة رئيستها السيدة فيوليت داغر وعقلها المتقد هيثم مناع.
أخيرا نجح تحالف الحكومات البوليسية العربية فى توجيه ضربة قوية لهذه اللجنة من داخل مجلس حقوق الانسان فى الأمم المتحدة! اذ تمكن من نزع الصفة الاستشارية للجنة العربية لحقوق الانسان فى المنظمة الدولية وهى الصفة التى نالتها عن جدارة بعد سنوات طويلة من العمل الشاق والملتزم بأصول الدفاع الحقوقى.
ومنذ فترة طويلة يتقدم التنسيق بين الحكومات الاستبدادية العربية فيما يتعلق بالجوانب البوليسية والقمعية عموما. وكان من ثمرات هذا التنسيق انجاز وثيقة للتعاون فى الاعلام الفضائى تستهدف التضييق على حرية الصحافة والمعلومات. أما أغرب مجال للتنسيق “الأمنى” بين الحكومات العربية فهو مجلس حقوق الانسان فى الأمم المتحدة! وكان تحالف الاستبداديات العربية داخل هذا المجلس قد انفرد بمواقف مضادة لحقوق الانسان اثارت ضيق واستغراب العالم. وتقدم هذه الدول حماية قوية من المسائلة لبعضها البعض عندما يتعلق الأمر بمناقشة المجلس للملفات الخاصة بأى من هذه الدول العربية.
ومنذ فترة يركز هذا التحالف الذى تقوده الحكومة المصرية على ضرب منظمات حقوق الانسان وخاصة تلك التى تتمتع بالحماية المعنوية التى تتيحها الصفة الاستشارية فى المجلس الاقتصادى والاجتماعى. وكانت اللجنة العربية هى أولى ضحايا هذا التنسيق.
ومن المتوقع أن يتوالى سقوط مزيد من ضحايا التحالف الاستبدادى العربى فى مجلس حقوق الانسان الذى كان فكرة أو مبادرة من جانب المنظمات الحقوقية غير الحكومية. ويدعونا هذا الواقع للأعراب عن الأسف الشديد لأن الأمم المتحدة بقت لفترة طويلة المصدر الرئيسى وأحيانا الوحيد الذى تستمد منه منظمات حقوق الانسان القوة فى مواجهة الدولة البوليسية.
كان ذلك فى الماضى قبل أن تفقد الأمم المتحدة مصداقيتها الى حد بعيد جدا باعتبارها فى نهاية المطاف منظمة أو تحالف دول لا شعوبا كما تنص ديباجة الميثاق. ومن هذا المنظور فاللجنة العربية لحقوق الانسان لا زالت بالنسبة لنا أكثر مصداقية واعمق أثرا من منظمة الأمم المتحدة ذاتها.