د.محمد السيد سعيد..وهم الانضباط

محمد السيد سعيد

ما نحتاجه هو ثورة فى مفهوم المرور وليس مجرد تشريع جديد. المفهوم السائد عندنا ينظر للمرور وكأنه تنظيم للعبور. ويقول المصريون لأنفسهم كلها دقائق أو كلها ساعتين ثلاثة ونصل..ولذلك يتحملون كل شىء. ويعلم الناس أنهم يخدعون أنفسهم. فأغلبهم سوف يعبر او يمر من حى لحى أو من العمل للبيت. ولكن البيت نفسه لم يعد سكنا ترتاح فيه الروح لأنه صار جزءا من العشوائيات الفوضوية التى تحولت اليها حياتنا بسبب حكومة جاهلة.

هذا المفهوم لا يصلح سوى لضمان عبور أعداد كبيرة من الناس من الحياة الدنيا للآخرة. اما ان كان المطلوب هو الدفاع عن الحياة وعن حق المصريين فى العيش والمرور بكرامة بل حقهم فى المرور بمتعة فعلينا أن نصوغ مفهوما اخر تماما للمرور. فنن جميعا عابرون للآخرة ولكننا لسنا مجتمع “عابر”.

المفهوم المطبق فى الدول الصناعية المتقدمة أن المرور هو تنظيم لمجتمع متحرك أو فى حالة حراك مستمر: أى تنظيم للعيش بكرامة. ولذلك فقانون المرور هو الأكثر تمتعا بالاحترام من أى تشريع آخر.

بهذا المفهوم المتقدم قانون المرور يتكامل مع كل التشريعات المهمة الأخرى للمجتمع. فيستحيل تنظيم المرور تنظيما جيدا ان كان قانون الاسكان سيئا ومفتوحا على البحرى لكل من يرغب فى اختراقه وبرضاه. وان كانت الدولة بجهلها واهمالها الجسيم حولت الحضر فى مصر الى كتلة سكنية لا شكل لها ولا نظام فمن المنطقى أن يترجم المرور هذه العشوائية الحضرية ويصبح أسوأ منها.

وأكثر الأوهام ضررا وجهلا فى مصر كان الاعتقاد بأن ثمة حل فنى للعشوائية المرورية. وبذلت جهودا كبيرة وأغرقت فلوس كثيرة خلال عقدى الثمانينات والتسعينات دون أن تجد مشكلة المرور حلا جذريا.

وكان العلماء الحقيقين يعرفون ذلك. فالحلول الفنية يجب أن تتكامل مع حلول للمشكلة الاجتماعية والثقافية. ولنبدأ بأن نقول لأنفسنا أننا لا نعبر وانما نعيش هنا. فيصبح مدخلنا لحل مشكلة المرور هو حل مشكلة معيشتنا ذاتها فنعالج بقدر الامكان العشوائية فى الكتل السكانية وفى نظم العمل (الواسطة) وفى التعليم والنظام الصحى..الخ.

والعكس ايضا صحيح فان كان حل مشكلة المرور بدون حل المشكلة الاجتماعية وهم فان القول بتأجيل أى حل حتى يصبح شاملا وكاملا هو وهم أخر. الانضباط ليس حلا كافيا لمشكلة المرور. ولكن الأفضل أن نبدأ من نقطة ما لنتابع حل بقية القضايا. ولذلك “نؤيد..ونطالب” هو موقف أفضل من “مفيش فايدة ياصفية”