د.محمد السيد سعيد..نذالة وعوامل أخرى

محمد السيد سعيد

انكشف العالم أمام نفسه وهو فى لحظة مخجلة من تاريخه. أوربا القديمة والجديدة معا هبطت الى مستوى انذال الشوارع الذين يزفون المعتدى وينظرون لجرائمه فى غزة كنوع من الدفاع الشرعى عن النفس. وبالطبع لا تسأل عن موقف أمريكا من جريمة العدوان على غزة فهو متسق تماما مع سياساتها التى تشجع على العدوان وأحيانا تخطط له فضلا عن توفير حماية سياسية ودبلوماسية كاملة للمعتدى.

وكانت صورة غزة كواحدة من أفقر مناطق العالم وأكثرها تكدسا بالسكان الذين اقتلعوا فى أغلبهم من مناطقهم الأصلية فيما يسمى حدود 1948 كافية تماما لحفز تعاطف العالم وهو يراها تحرق وتمزق وتدمر بيد دولة امبريالية مجرمة.

ولا يمكن أن ننفى أهمية القيم السياسية فى سلوك الدول والجماعات. ولكن هناك أسباب كثيرة أخرى غير النذالة وحقارة النفس التى أصابت أوربا الغنية الخائفة من الجياع والمظلومين. من بين تلك الأسباب انحراف أوربا عموما نحو اليمين وسوء صورة حماس وسط الرأى العام العالمى. أما السبب الأهم فهو الانقلاب فى موقف الدول العربية الكبيرة.

ولا أعنى هنا موقف مصر فحسب. فالواقع أن الاتحاد الأوربى كان قد أصدر أفضل بياناته على الاطلاق فيما يخص حقوق الشعب الفلسطينى وهو بيان البندقية عام 1981 وكانت مصر مشتبكة فى معركة أسوأ مع بقية العالم العربى. فالعالم العربى كان حتى ذلك الوقت متماسكا الى حد ما مما دعا الأوربيين لاصدار هذا البيان المتعاطف مع الحقوق السياسية للشعب الفلسطينى.

التدهور المذهل الذى ألم بالموقف العربى هو التفسير الأساسى لاستهانة أمريكا بالقانون الدولى وبحقوق الشعب الفلسطينى وللخط النزولى للموقف الأوربى منذ عام 1981. ويبدو أننا مضطرون للاعتراف بصحة النظرية الاسرائيلية جزئيا. وتقول هذه النظرية أن الصراع العربى الاسرائيلى لم يعد هو الصراع الرئيسى فى المنطقة. فمن ناحية السياسات العملية والرسمية تشكل محور أنصار أمريكا النشطين وهم مصر والأردن مع دول الخليج الست وهو محور يستهدف ايران بالخصومة والعداء. واليوم يصرح كثيرون فى العالم العربى صراحة فى الأحاديث الخاصة عن أن اسرائيل ليست ما يشغلهم بل ايران.

وهذا بدوره له تفسيرات تاريخية شتى بالنسبة للخليجيين غير أو اضافة الى النذالة والتردى الأخلاقى والطابع الطفيلى للطبقات الحاكمة.

أما حالة مصر فهى الأعجب والأغرب. كيف يمكن لنا أن نفسر أن تهبط مصر العظيمة التى بشرت ونجحت فى فرض انتصار حركات التحرر الوطنى الى السياسات الحالية والتى شكرها جورج بوش واعتبرهادعما للعدوان الاسرائيلى؟