ساراماجو يكتب عن ” عمى الانتخابات ” فصل من رواية البصيرة ..ترجمة تامر فتحي ” 2″

ينص قانون هذه البلاد على أن يدلى المأمور بصوته في الحال، بعد فحص باقي البنود المختلفة، يليه موظفو صناديق الاقتراع، وممثلو الأحزاب و نوابهم، هذا طبعاً، إن كانوا مقيدين في جدول هذا اللجنة تحديداً، و لقد كانوا كذلك بالفعل. كانت أربعة دقائق أكثر من كافية، حتى وإن طالة الإجراءات، لكي يمتلئ صندوق الاقتراع بأول أحدى عشر صوتاً. بعد ذلك لم يبقى شيء أخر ليتم عمله، ثم بدأ الانتظار. و ما إن مرت نصف ساعة فقط حتى اقترح المأمور، الذي بدت عليه علامات القلق، أن يذهب أحد القائمين على صناديق للاقتراع ليرى إن كان أحداً ما قد وصل، فلربما وجد الناخبون الباب مغلقاً بفعل الريح فاستداروا على أعقابهم وهم ساخطون على الحكومة التي لم تكلف نفسها على الأقل مراعاة أصول الذوق و إخبار الناس بأمر تأجيل الانتخابات، وإلا، فما هي فائدة الراديو و التليفزيون إذن لو أنهما لم يذيعا مثل هذه المعلومة. قال السكرتير، لكن كلنا نعرف أن الباب لو صُفع فإنه سيحدث ضجة كبيرة ونحن لم نسمع أي صوت هنا. تردد الموظف القائم على صناديق الاقتراع، هل يذهب أم لا، لكن المأمور أصر وقال، أذهب من فضلك وكن حريصاً إلا تبلل نفسك. كان الباب مفتوحاً، ومثبت بإحكام في مكانه بالترباس. لم يستغرق الأمر من الموظف ليطل برأسه إلى الخارج و ينظر يمنة ويسارا و العودة سوى لحظة واحدة، لكن الماء كان يقطر منه وكأنه وضع رأسه تحت دش الحمام. كان يريد التصرف كموظف صالح، إرضاءً للمأمور، ولقد أرد أيضا، خاصة وأنها المرة الأولى التي يتم فيها استدعائه لشغل هذه الوظيفة، أن يلقى استحساناً على سرعته و براعته في أداء واجباته، فسبحان العالم، لعله يصبح في يوم ما، مع الوقت والخبرة، رئيساً على لجنة اقتراع، إلا أن طموحات أعلى من طموحه هذا كانت قد سدت أبواب السموات لكن ما أكثر العيون المعطوبة التي لا ترى ذلك. لدى عودته للغرفة، هتف فيه المأمور وهو شبه مكتئب، شبه مندهش، لم يكن هناك داع لتبلل نفسك يا رجل، أوه، لا يهم يا سيدي، قال الموظف وهو يجفف خده بكم معطفه، هل وقعت عينك على أحد؟ ولا مخلوق واحد على مرمى البصر، كأنها صحراء من المياه في الخارج. نهض المأمور ودار حول الطاولة في خطى بطيئة، دخل غرفة التصويت، و ألقى بنظرة داخلها ثم عاد. تحدث ممثل الوسط ليذكر الآخرين بنبوءته بأن معدلات الامتناع عن التصويت ستصل عنان السماء، وللمرة الثانية لعب ممثل اليمين دور الملطف للأمور، فالناخبين مازال لديهم اليوم بطوله، ومن الجائز أنهم ينتظرون إلى أن تهدأ الأمطار. أختار ممثل اليسار هذه المرة أن يظل صامتاً ، وفكر في الموقف المخزي الذي كان سيضع نفسه فيه الآن لو أنه قال بالفعل ما كان مزمعا على قوله لدى دخول نائب المأمور إلى الغرفة، بأن أنصار حزبه يلزمهم ما هو اشد بأساً من بضع قطرات بائسة لتثبط عزمهم. أما السكرتير الذي استدارت إليه العيون في توقع، فقد أدلى باقتراح عملي، أتعرفون ، قد لا تكون فكرة سيئة إن اتصلنا بالوزارة و سئلنا عن سير حال الانتخابات في سائر المدينة و في باقي أنحاء البلاد أيضا، بذلك نعرف إذا كانت هذه الحالة من غياب القوى الوطنية أمر عام أم أننا وحدنا من ضن عليهم الناخبون بضياء أصواتهم. فز ممثل اليمين على قدميه محتداً وقال : أطالب فورا بتسجيل هذا، أنني، بصفتي ممثلاً لحزب اليمين، أعترض بشدة على السلوك غير المهذب و نبرة السخرية غير المتوقعة التي أشار بها السكرتير في حديثه عن الناخبين، حراس الديمقراطية، الذين بدونهم لكان أمر أمتنا منذ وقت طويل في يد طاغية من طغاة العالم. هز السكرتير كتفيه في لا مبالاة و سأل، هل أسجل اعتراض ممثل حزب اليمين يا سيدي؟ لا، لا أعتقد أن هذا ضرورياً، إننا كلنا فقط متوترين قليلا ومرتبكين ولا سبيل أمامنا للفهم، و في تلك الحالة، كما نعرف جميعاً، يسهل جداً قول أشياء لا نصدقها بالفعل، أنا متأكد أن السكرتير لا يقصد إهانة أي شخص، وذلك، لأنه هو نفسه ناخب يعي جيداً مسئولياته، و الدليل على ذلك أنه تحدى الظروف و لبى نداء الواجب مثلنا جميعاً، إلا أن مشاعر الامتنان، الخالصة، لا تعفيني أن أطلب من السكرتير الالتزام قدر المستطاع بحدود المهمة الموكلة إليه و أن يكف عن أي تعليق قد يصدم المشاعر الشخصية و السياسية للموجودين هنا. أشار ممثل اليمين برأسه في إيماءة مقتضبة أختار المأمور أن يفسرها على أنها علامة رضا، انتهت المناقشة عند هذا الحد، لكن الشكر الجزيل لممثل الوسط أنه أخذ باقتراح السكرتير فقد قال، هذا صحيح، أننا أشبه بضحايا عبارة تغرق وسط المحيط، بلا شراع ولا بوصلة ولا صاري ولا مجداف وبلا حتى وقود في الخزان، قال المأمور، معك حق، سأتصل حالاً بالوزارة، ثم مضى إلى الطاولة الأخرى حيث التليفون وفى يده دفتر تعليمات كان قد تسلمه قبل أيام، وطُبع عليه، من ضمن الأشياء المفيدة، رقم تليفون وزارة الداخلية.


ساراماجو يكتب عن ” عمى الانتخابات ” فصل من رواية البصيرة ..ترجمة تامر فتحي ” 2″

ينص قانون هذه البلاد على أن يدلى المأمور بصوته في الحال، بعد فحص باقي البنود المختلفة، يليه موظفو صناديق الاقتراع، وممثلو الأحزاب و نوابهم، هذا طبعاً، إن كانوا مقيدين في جدول هذا اللجنة تحديداً، و لقد كانوا كذلك بالفعل. كانت أربعة دقائق أكثر من كافية، حتى وإن طالة الإجراءات، لكي يمتلئ صندوق الاقتراع بأول أحدى عشر صوتاً. بعد ذلك لم يبقى شيء أخر ليتم عمله، ثم بدأ الانتظار. و ما إن مرت نصف ساعة فقط حتى اقترح المأمور، الذي بدت عليه علامات القلق، أن يذهب أحد القائمين على صناديق للاقتراع ليرى إن كان أحداً ما قد وصل، فلربما وجد الناخبون الباب مغلقاً بفعل الريح فاستداروا على أعقابهم وهم ساخطون على الحكومة التي لم تكلف نفسها على الأقل مراعاة أصول الذوق و إخبار الناس بأمر تأجيل الانتخابات، وإلا، فما هي فائدة الراديو و التليفزيون إذن لو أنهما لم يذيعا مثل هذه المعلومة. قال السكرتير، لكن كلنا نعرف أن الباب لو صُفع فإنه سيحدث ضجة كبيرة ونحن لم نسمع أي صوت هنا. تردد الموظف القائم على صناديق الاقتراع، هل يذهب أم لا، لكن المأمور أصر وقال، أذهب من فضلك وكن حريصاً إلا تبلل نفسك. كان الباب مفتوحاً، ومثبت بإحكام في مكانه بالترباس. لم يستغرق الأمر من الموظف ليطل برأسه إلى الخارج و ينظر يمنة ويسارا و العودة سوى لحظة واحدة، لكن الماء كان يقطر منه وكأنه وضع رأسه تحت دش الحمام. كان يريد التصرف كموظف صالح، إرضاءً للمأمور، ولقد أرد أيضا، خاصة وأنها المرة الأولى التي يتم فيها استدعائه لشغل هذه الوظيفة، أن يلقى استحساناً على سرعته و براعته في أداء واجباته، فسبحان العالم، لعله يصبح في يوم ما، مع الوقت والخبرة، رئيساً على لجنة اقتراع، إلا أن طموحات أعلى من طموحه هذا كانت قد سدت أبواب السموات لكن ما أكثر العيون المعطوبة التي لا ترى ذلك. لدى عودته للغرفة، هتف فيه المأمور وهو شبه مكتئب، شبه مندهش، لم يكن هناك داع لتبلل نفسك يا رجل، أوه، لا يهم يا سيدي، قال الموظف وهو يجفف خده بكم معطفه، هل وقعت عينك على أحد؟ ولا مخلوق واحد على مرمى البصر، كأنها صحراء من المياه في الخارج. نهض المأمور ودار حول الطاولة في خطى بطيئة، دخل غرفة التصويت، و ألقى بنظرة داخلها ثم عاد. تحدث ممثل الوسط ليذكر الآخرين بنبوءته بأن معدلات الامتناع عن التصويت ستصل عنان السماء، وللمرة الثانية لعب ممثل اليمين دور الملطف للأمور، فالناخبين مازال لديهم اليوم بطوله، ومن الجائز أنهم ينتظرون إلى أن تهدأ الأمطار. أختار ممثل اليسار هذه المرة أن يظل صامتاً ، وفكر في الموقف المخزي الذي كان سيضع نفسه فيه الآن لو أنه قال بالفعل ما كان مزمعا على قوله لدى دخول نائب المأمور إلى الغرفة، بأن أنصار حزبه يلزمهم ما هو اشد بأساً من بضع قطرات بائسة لتثبط عزمهم. أما السكرتير الذي استدارت إليه العيون في توقع، فقد أدلى باقتراح عملي، أتعرفون ، قد لا تكون فكرة سيئة إن اتصلنا بالوزارة و سئلنا عن سير حال الانتخابات في سائر المدينة و في باقي أنحاء البلاد أيضا، بذلك نعرف إذا كانت هذه الحالة من غياب القوى الوطنية أمر عام أم أننا وحدنا من ضن عليهم الناخبون بضياء أصواتهم. فز ممثل اليمين على قدميه محتداً وقال : أطالب فورا بتسجيل هذا، أنني، بصفتي ممثلاً لحزب اليمين، أعترض بشدة على السلوك غير المهذب و نبرة السخرية غير المتوقعة التي أشار بها السكرتير في حديثه عن الناخبين، حراس الديمقراطية، الذين بدونهم لكان أمر أمتنا منذ وقت طويل في يد طاغية من طغاة العالم. هز السكرتير كتفيه في لا مبالاة و سأل، هل أسجل اعتراض ممثل حزب اليمين يا سيدي؟ لا، لا أعتقد أن هذا ضرورياً، إننا كلنا فقط متوترين قليلا ومرتبكين ولا سبيل أمامنا للفهم، و في تلك الحالة، كما نعرف جميعاً، يسهل جداً قول أشياء لا نصدقها بالفعل، أنا متأكد أن السكرتير لا يقصد إهانة أي شخص، وذلك، لأنه هو نفسه ناخب يعي جيداً مسئولياته، و الدليل على ذلك أنه تحدى الظروف و لبى نداء الواجب مثلنا جميعاً، إلا أن مشاعر الامتنان، الخالصة، لا تعفيني أن أطلب من السكرتير الالتزام قدر المستطاع بحدود المهمة الموكلة إليه و أن يكف عن أي تعليق قد يصدم المشاعر الشخصية و السياسية للموجودين هنا. أشار ممثل اليمين برأسه في إيماءة مقتضبة أختار المأمور أن يفسرها على أنها علامة رضا، انتهت المناقشة عند هذا الحد، لكن الشكر الجزيل لممثل الوسط أنه أخذ باقتراح السكرتير فقد قال، هذا صحيح، أننا أشبه بضحايا عبارة تغرق وسط المحيط، بلا شراع ولا بوصلة ولا صاري ولا مجداف وبلا حتى وقود في الخزان، قال المأمور، معك حق، سأتصل حالاً بالوزارة، ثم مضى إلى الطاولة الأخرى حيث التليفون وفى يده دفتر تعليمات كان قد تسلمه قبل أيام، وطُبع عليه، من ضمن الأشياء المفيدة، رقم تليفون وزارة الداخلية.