رحلة مع عبلة الرويني الى عالم “نساء حسن سليمان ”

  • يضمن لك الكتاب أن ترى محراب الفنان بعينين مختلفتين ، بوصف يشبه تلك الزاوية المميزة في السينما
  • ليس لدى حسن سليمان لون صريح… إنه يكره الفجاجة وصراع الألوان الحاد ، هذا الصراع المجاني بلا طائل
  • ترصد الكاتبة كيف توارى الموديل العاري الى داخل مراسم الفنانين قبل أن تمتد العتمة الى المزيد من اللوحات

كتبت – عزة مغازى:

لم تترك عبلة الرويني مجالا من مجالات الإبداع دون أن يكون لها فيه باع وإسهام فهي الناقدة الأدبية التي لها اهتمام خاص بالإبداع الشعري والقصصي وهى تشرف حاليا على صفحة متخصصة للإبداعات الأدبية الشابة في الزميلة الأخبار ، كما أنها أشرفت لسنوات على احد أكثر الأبواب تميزا في الصحافة المصرية حول المسرح الى جانب تذوقها الخاص للفنون التشكيلية ، هذه المقدمة كافية لتمنحك الثقة في أن تخطو في حذوها الى داخل تلك الشقة الصغيرة الكائنة في “سبعة شارع شامبليون” حيث مرسم الفنان حسن سليمان.

تضمن لك عبلة الروينى منذ اللحظات الأولى في رحلتك معها عبر كتاب ” نساء حسن سليمان” الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة ،أن ترى محراب الفنان بعينين مختلفتين ، بوصف يشبه تلك الزاوية المميزة في السينما والتي تتيح لك رؤية الموجودات والإحساس بها عبر عيني البطل ، ترى حسن سليمان بينما يفتح لكما الباب ، ثم يترككما كي تجدا طريقكما الى الداخل عبر الممر الضيق جدا المزدحم بالكتب وقطع النحت المتناثرة على الجانبين لترى قطعة حفر صغيرة هنا ومستنسخ بالأبيض والأسود لأحد وجوه رامبرانت هناك بالإضافة لأعمال نحاسية من الفن المصري الإسلامي وبعض الأواني الزجاجية والفخارية مختلفة الأحجام ، قبل أن تصل أخيرا الى حجرة المرسم حيث جلس حسن سليمان ممسكا برأسه يشكو بدء “قلق الفنان”.

تصف عبلة الروينى حجرة المرسم الصغيرة، ناقلة لك إحساسها بالإضاءة والألوان. لتأخذك من “مكان ” إبداع الراحل حسن سليمان الى قلب هذا الإبداع عبر أجواء صنع اللوحة وما يخضع له الفنان من تأثيرات بعضها يصنعها بنفسه عبر التلاعب بالضوء. الموجودات في حجرة المرسم الصغيرة الحاضرة بقوة في لوحات حسن سليمان، الكرسي الخشبي الصغير الذي تجلس إليه نساء لوحاته، والأعمدة الحديدية السوداء للشرفة التي تلمحها في العديد من اللوحات.

ولا تترك الكاتبة ” عبلة الروينى ” قارئ الكتاب أسيرا في المرسم صغير المساحة الذي أضافت نوافذ اللوحات له أبعادا ومساحات أخرى ، فهي تنتقل بك لتنقل لك شذرات من حياة الفنان الراحل حسن سليمان رابطة بين العاب الألوان والظلال في لوحاته وشخصيته الكارهة للصراعات المجانية كما تسميها رغم كونه يحمل روح المحارب فتقول عبلة الروينى” يمر بالرمادي فوق الأزرق ، ويضيف طبقة أخرى من الأزرق فوق الأزرق في اللوحة ، ليس لدى حسن سليمان لون صريح … إنه يكره الفجاجة وصراع الألوان الحاد ، ذلك الصراع المجاني بلا طائل………”

لحسن سليمان فلسفة خاصة في الإبداع حددت خطوطه وألوانه التي تضمنتها لوحاته تشرحها عبلة الروينى في فصل عنونته بــ” البحث عن أرداف الكمثرى” ، فعلى الصفحة المقابلة لتلك التي تحتلها لوحة ” فتاة الشرفة” لحسن سليمان تكتب الروينى عن محاولات الفنان الراحل للسيطرة على الخطوط الطولية في أعمدة الشرفة الحديدية ومساحات الظل المستطيل في ظهر المرأة على حد تعبيرها .
تشرح عبلة الروينى أهمية تلك الخطوط الطولية في ضبط الإيقاع والجاذبية والاتزان في اللوحة مشيرة الى رأى حسن سليمان في الأشكال الفنية التي تتعمد تشويه الطبيعة وكسر قوانينها ، إذ يرى فيها نوعا من الخلل النفسي ويصفها بكونها اعتداء صريح على الفن والحياة، وترى عبلة الروينى في ذلك فهما اقرب الى المفهوم الكلاسيكي اليوناني القديم .

في ذات الفصل تنتقل عبلة الروينى الى موديلات حسن سليمان أو نسائه اللائي تشكلن في لوحاته مستعرضة رأى حسن سليمان في الفن والحضارة والمجتمع في الاقتصاد وأحوال المجتمع عبر اختياراته للموديل التي كان يرسمها عارية ثم يكسوها بالملابس عقب الانتهاء.، تشرح الروينى كيف عانى حسن سليمان في البحث عن موديل تصلح للرسم في ظل الفقر وسوء التغذية الذي يعانى منه المصريون. قبل أن تنتقل للحديث عن صدور القرار بإلغاء تدريس الموديل العاري بكليات الفنون الجميلة في بداية السبعينات من القرن الماضي واثر ذلك على تدهور مستوى الدراسة ومستوى الفنانين.
وترصد الكاتبة كيف توارى الموديل العاري الى داخل مراسم الفنانين قبل أن تمتد العتمة الى المزيد من اللوحات على حد وصفها حيث صار الفنانون يهابون إقامة معارض تحوى رسوما للموديل العاري كما توقفت الصحف عن نشر تلك اللوحات أو غطتها بالشرائط والبقع السوداء الشهيرة.
ورغم أن حسن سليمان البس نساء لوحاته تلك الملابس البسيطة ذات الجمال الخاص إلا انه لم يكن يرسمهن على اللوحة إلا كما خلقهن الله لتأكد من صحة وسلامة خطوطه كما تذكر عبلة الروينى وهو ما تشرحه في الفصل الثالث من كتابها ” نساء حسن سليمان ” والذي تعنونه بتقديس الجسد إذ تطرح نظرة حسن سليمان الى جسد المرأة حيث يقول ” جسد المرأة أجمل لأنه تكوين أمومي … اقرب الى الطبيعة ، بل هو امتداد للطبيعة ، خلق لكي يضم ويحتضن ويعطى.

وتبين عبلة الروينى إن جسد الموديل لدى الفنان ما هو إلا أداة يطرح من خلالها رؤيته متناولة نظرة المجتمع ومن تعمل كموديل الى تلك المهنة والتناقض الحاد بين رؤية الفنان التي تهدف الى تقديس الجسد الإنساني وتجريده من مساحات الشهوة للوصول به الى مطلقات جمالية ، ونظرة المجتمع التي ترى في من تعمل موديل عار للفنان مجرد ” عاهرة” ، ويقول حسن سليمان ” لا تشكل لوحاتي امتهان للجسد، بالعكس . الموديل دائما فخورة بجسدها ومتباهية به ، وأنا أغذى ذلك الشعور ، وأغذى تلك الأنوثة من اجل لحظة خالدة فوق اللوحة”

جدل الموديل العاري يمتد لصفحات عدة عبر الكتاب قبل أن تنتقل عبلة الروينى لتعقد مقارنة بين رسمه لتلك النسوة الشعبيات البسيطات اللائي أصبحن موديلات في لوحاته وبين رسومه للسيدات الارستقراطيات التي سيطرت عليها الألوان الباردة والخطوط الحادة العصبية التي تعكس ضيقه بزيفهن على العكس من تلك الخطوط الانسيابية المليئة بالحياة التي رسم بها موديلاته البسيطات.