“هدايا الوحدة” لمحمد خير: السيرة الذاتية للعزلة في 21 قصيدة

  • الشاعر يكتب منولوج  طويل مع النفس ويبحث عن”المشاعر المناسبة” في أرفف المطبخ

كتبت: رشا حسني

يترك محمد خير تجربته الإبداعية تقوده حيث تريد فمرة تتشكل في صورة سردية تماما كما في مجموعته القصصية “عفاريت الراديو” ومرات تغلب عليها الشعرية مثلما جاءت دواوينه “ليل خارجي ” 2002 ، “بارانويا ” 2008 و “هدايا الوحدة” الصادر مطلع هذا العام عن دار ميريت. اختار خير هذه المرة الفصحى لتتشكل في فضائها تجربته الشعرية بخلاف ديوانيه السابقين اللذين كتبهما بالعامية. وهذا التنقل بين أشكال إبداعية مختلفة إلى جانب الكتابات النقدية و الصحفية أضاف ثراء وخصوصية ميزت النص الذي يكتبه خير.

يضم “هدايا الوحدة ” 21 نصا تنتمي كلها لقصيدة النثر يتنقل بنا الشاعر عبرها بين جوانب مختلفة من تجربته الخاصة التي تلامس داخلنا تجارب مشابهة وتبدو معظم القصائد وكأنها أجزاء من “مونولوج” طويل مع النفس يكشف خباياها ويواجهها بالمأزق الذي تعيشه وهي للتو خارجة من توحدها مع آخر رحل لسبب ما وترك الشاعر يتلقى هدايا الوحدة

لذا فنحن لا نصدق خير عندما يفتتح ديوانه بقصيدة “الكسل” ويقول:

معظم تلك القصائد

خضتها

بدلا من خوض الحياة

إذ تبدو آثار التجربة حية داخله بألمها الطازج النبيل يستعيدها حين يمر بالشارع فيرى مكان استنادهما معا على السور حديث الطلاء : “لا تسيئي  الظن : أعادوا طلاء السور مرارا بعد تلك المرة ..لكنني ما زلت أميز أثرنا رغم ذلك …” وحين يتأمل أرفف مطبخه فتواجهه الذكرى وتستدرجه الحروف الكبيرة التي خطتها حبيبته على علب التوابل نحو استعادة مشهد مضى لا يحقق له أمله المستقبلي  “بانتقاء المشاعر التي تناسبنا من فوق أرفف ليس لها ذاكرة ”

وبرغم ما تحمله التجربة من عمق تبدو حدود العالم الخارجي في الديوان  باهتة و تجسد مفرداته حدود المكان واكتفائها بالمنزل في معظم الأحيان .

يمكن أن نجد تفسيرا لذلك بالإشارة إلى العالم المسيطر على التجربة الشعورية التي يدور في إطارها الديوان  فهو ابن لتجربة إنسانية عاطفية بالأساس وكما يرى خير أننا ” في العزلة لا نرى الأماكن البعيدة ويتحول العالم إلى مجرد نافذة  تختفي ملامحه الخاصة ونستبدل بمفرداته أخرى حميمية مرتبطة بأماكن مغلقة هي في حقيقتها شريكة في الوحدة ” .

طبيعة التجربة وعاطفيتها كادت تدفع الشاعر نحو الإغراق في عوالم ميلودرامية فاقعة لكن الصدق والسعي نحو اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء إضافة لوعي الشاعر سواء كان مقصودا أو غير مقصود مكنه من العبور على حافة المنطقة الخطرة المحيطة بتجربته.

لكن بعض قصائد الديوان خارج إطار تجربته الأساسية بدت وكأنها حالات منفردة لتأمل الواقع في صورته المجردة كما في قصيدة “مع ذلك تتشابه مصائرهم “: سعداء لا حاجة بهم للأحلام  .. يائسون لا طاقة بهم للأحلام .. حالمون يستفزون الحياة بحسن نواياهم .. ويبتذلون الحلم باعتياد الأمل ”

لم تبد هذه القصائد منفصلة تماما عن تجربة الوحدة فالوحدة عادة ما تتيح لنا فرصا للتأمل وإصدار الأحكام على الوجود بكل مفرداته وعلى صيرورة الحياة لكن القصائد المعنية بهذا الرصد للموجودات وعلاقاتها المتشابكة جاءت أقرب للشكل التقليدي السائد في قصيدة النثر ولم تتمتع بالخصوصية التي ميزت بقية قصائد الديوان .