مشروع قانون الوظيفة العامة .. لعبة الحكومة لتقنين العمل المؤقت


  • 4 خبراء ينتقدون المشروع :  غير عادل ومتناقض..ويساوي بين الموظفين حيث لا تنبغي المساواة
  • المستشار سمير البدوي: مشروع القانون يضع قيودا على عمل النيابة الإدارية تمنعها من أداء دورها
  • د. أحمد البرعى : الدولة تتجه لتطبيق النظام والقانون الأمريكي عن طريق تحديد مدة اختبار للموظف..يحق لها التخلص منه بعدها
  • د.جودة عبد الخالق: القانون الجديد يشير إلى نية الدولة للتحول للقطاع الخاص..ويغفل جوانب سياسية ترتبط بما يشرعه

تحقيق- عادل زكريا:

انتقد خبراء تشريعيون واقتصاديون عددا من مواد “قانون الوظيفة العامة” الجديد، واعتبروا أن القانون يهدف لإلغاء العمل الدائم و يقنن العمل المؤقت ويكسبه طابعا شرعيا كما أنه معيب بثغرات إدارية وفنية ومجتمعية، ويهدد بالإخلال بعدد من المعايير الإنسانية الثابتة، كمكافأة المجتهد ومعاقبة المجرم.

يقول المستشار سمير البدوى رئيس هيئة النيابة الإدارية :مشروع القانون يضع قيودا على عمل النيابة الإدارية، تمنعها من أداء دورها بالتحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية، مما يؤدى بالتبعية إلى الإضرار بالمال العام.

وأشار البدوى إلى أن القانون الحالى يوفر الحماية للأموال العامة مهما بلغت قيمة الضرر، لكن مشروع القانون المقترح يلغى هذا الجانب المهم، ويقصر اختصاص النيابة الإدارية على المخالفات المالية التى تزيد على ١٠٠ ألف جنيه، ويترك الأضرار المالية الأقل دون مكافحة ، بينما المرحلة المقبلة تتطلب تفعيل دور النيابة الإدارية فى مجال الوظيفة العامة، لإفساح دائرة الاختصاص الوجوبى لها بالنسبة لتحديد النصاب المالى للمخالفات بما يحول دون العبث بالمال العام.

وانتقد البدوي ما تضمنه مشروع القانون من تحديد مدة التحقيق فى النيابة الإدارية بثلاثة أشهر تقوم بعدها جهة الإدارة بسحب التحقيق، وأوضح أن هذا النص لا مثيل له فى أى قانون، ولا يتفق مع مصلحة التحقيق الذى لا يمكن تحديد مدته.

كما طالب بضرورة إعادة النظر فى مسألة اللجنة الثلاثية التى يقترحها القانون الجديد لفصل العاملين بالدولة، وأوضح أنها لا توفر الضمانات الحقيقية للموظف، حيث يغلب عليها طابع إدارى ولا تعد بديلا للمحاكم التأديبية ويتعين توفير ضمانة إضافية حقيقية تتمثل فى إحالة التحقيق للنيابة الإدارية إذا أرادت جهة الإدارة فصل الموظف عن العمل

بينما يرى د. أحمد البرعي، رئيس قسم التشريعات الاجتماعية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، أنه ينبغى قبل إصدار أى قانون أن تتم مناقشة جميع الأطراف المعنية به، لذلك لابد من إجراء استبيان للمواطنين، لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم نحو نصوص ومواد قانون الوظيفة المدنية الجديد، وذلك لقياس مدى مناسبته لمشاكل سوق العمل التى يواجهونها، خاصة أن القائمين على اللجان التشريعية الذين يضعون تلك القوانين ليسوا بالضرورة على دراية بكل مشاكل الموظفين، وإلا سيعد القانون فى هذه الحالة صادراً عن غرف مغلقة، وبالتالى ستحوم حوله الشكوك والشبهات.

كما أن استطلاع آراء المواطنين عن القانون قبل إصداره سيوفر علينا إدخال أى تعديلات مستقبلية، وذلك من منطلق أن احترام القانون ينبع من ثباته.

ويشمل قانون الوظيفة المدنية الجديد ٤٦ مادة، يرى الدكتور البرعى أن بعضها يستحق الحذف تماماً، مثل المادة (٢٠) بالفصل الثانى والتى تنص على أن “المتعاقد معه والمعين لأول مرة سيتم وضعه تحت الاختبار لمدة ثلاثة أشهر، تتقرر خلالها صلاحيته للعمل، فإذا ثبت عدم صلاحيته ينهى عقده أو خدمته”، ويتضح من نص هذه المادة أن الدولة تتجه نحو تطبيق النظام والقانون الأمريكي، عن طريق تحديد مدة اختبار للموظف، وهو ما يعد بمثابة وسيلة فعالة لممارسة الضغوط السياسية عليه لإنهاء عقده، وهو الأمر ذاته الذى ترفضه ثقافة العمل بالمجتمع المصري.

كما أن القانون يحتوى على بعض المواد التى تتطلب توضيحاً مثل المادة (٢٢) بنفس الفصل والتى تنص علي: “يحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء عدد وقواعد شغل الوظائف، التى تحجز لمصابى العمليات الحربية، وتسمح حالتهم بالقيام بأعمالها، ويجوز أن يعين فى هذه الوظائف زوجات هؤلاء المصابين، أو أحد أولادهم، أو أخوتهم القائمون على إعالتهم، وذلك فى حالة عجزهم عجزاً تاماً أو وفاتهم، إذا توافرت فيهم شروط شغل هذه الوظائف، وكذلك الأمر بالنسبة للشهداء”.

وأكد الدكتور البرعى أنه قبل التصديق على تلك المادة لابد أن تضع الدولة مذكرة توضيحية، تبين فيها الحكمة من وراء قصر تعيين أقارب العاملين على مصابى العمليات الحربية والشهداء -دون المدنيين- خاصة أن قانون العمل الموحد لم يفرق بين المدنيين والعسكريين عند تعيين الأقارب.

ويعتقد الدكتور حمدى عبدالعظيم، الرئيس الأسبق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن حرص المسئولين على إصدار قانون الوظيفة المدنية الجديد، رغم كل ما به من ثغرات ومخالفات للدستور، يرجع إلى سبب رئيسى وغير معلن، وهو أن الحكومة ترغب فى الاستناد إلى تشريع قانوني، يمنحها الحق فى التخلص من العمالة الزائدة لديها وقتما تشاء، خاصة أن انتهاء عقد الموظف وفقاً لهذا القانون لن يلزمها بدفع أى تعويضات.

يقول عبد العظيم: من أبرز المخالفات الدستورية التى يشملها هذا القانون، أولاً نص المادة  التى “تشترط فيمن يتولى الوظائف المدنية أن يكون متمتعاً بالجنسية المصرية، أو جنسية إحدى الدول العربية، التى تعامل المصريين بالمثل فى تولى الوظائف المدنية”. وبالتالى سيتيح القانون لغير الحاصلين على الجنسية المصرية حق شغل الوظائف الحكومية، وذلك رغم تزايد أعداد العاطلين بالدولة، ورغم إلزام قانون العمل الموحد الذى يقره الدستور العاملين بالحصول على الجنسية المصرية لشغل الوظائف العامة الحكومية.

ويرى حمدى عبدالعظيم أن المادة (١٨) من الفصل الثانى فى حاجة إلى تعديل أو حذف، فهى تنص على أنه «إذا انتهت مدة تولى الوظيفة المدنية القيادية، شغل الموظف اعتباراً من اليوم التالى وبموجب عقد جديد يبرم وفقاً لأحكام هذا القانون، وظيفة غير قيادية، تعادل درجتها الوظيفة القيادية التى كان يشغلها.. وبذلك ستهدر هذه المادة أخلاقيات العمل، التى تقر بأن الوظائف القيادية مرتبطة بالثواب والعقاب والإدارة والتوجيه والتخطيط، وبمجرد انتهاء مدة شغل الوظيفة القيادية وفقاً لهذه المادة، فإن الموظف القائد والرئيس هنا إذا لم يحال للمعاش سيصبح مرؤوساً بعد أن كان رئيساً، وسيتلقى التعليمات ممن كان يرأسه، وهو الأمر الذى سيعد بمثابة إهانة بالغة له، خاصة أن الاعتبارات الشخصية لدينا هى التى تحكم طبيعة العمل.

ويتوقع الدكتور حمدى أن تثير هذه المادة دوافع الانتقام الشخصي، لتصفية الحسابات، حيث سيسعى الرئيس الجديد للأخذ بالثأر والانتقام من رئيسه السابق عن طريق إصدار تعليمات بحرمانه من المكافآت والحوافز، والادعاء عليه بارتكاب المخالفات، وهو الأمر الذى سينعكس بالسلب على مناخ العمل ككل، والذى سيتحول إلى مناخ غير صحى مليء بالبلاغات والشكاوي.

وأكد عبدالعظيم أن المادة (٢٠) من الفصل الثانى والتى تنص على وضع المعين تحت الاختبار لمعرفة صلاحيته، تتعارض مع ثقافة العقد، الذى هو شريعة المتعاقدين، والذى ينتهى بانتهاء مدته وليس صلاحية القائمين عليه. كما أن الموظف عندما يخضع للاختبار فإن ذلك يكون بهدف معرفة أحقيته فى التثبيت من عدمه، وليس لمعرفة إمكانية استمراره بالخدمة أم لا.

وهناك المادة (٢٤) بالفصل الثالث والتى تنص على: “يحرم الموظف المقدم عنه تقرير غير كفء من العلاوة الدورية، ومن الترقية خلال السنة التالية للسنة المقدم عنها التقرير، وإذا حصل الموظف على تقرير بمرتبة غير كفء فى السنة التالية مباشرة اعتبر تعاقده أو خدمته منتهية، اعتباراً من اليوم التالى لصيرورة التقرير نهائياً”.

ويظهر من نص هذه المادة مدى تعسف هذا القانون، الذى لم يمنح للموظف حق التظلم، خاصة أن التقرير الذى سيصدر عنه قائم على رأى شخص بعينه، وهو رئيسه المباشر.

وتنص المادة (٢٥) بالفصل الرابع على أن “الترقية فى الوظائف المدنية والتنفيذية والفنية والحرفية ووظائف الخدمات المعاونة تكون بالأقدمية والكفاءة، وتكون الترقية فى الوظائف الأخرى بالاختيار والجدارة”، وبالتالى يتضح من هذه المادة وجود ازدواجية فى معايير منح الترقية، وهى الأقدمية والكفاءة والاختيار والجدارة.

ويوضح حمدى عبدالعظيم أن معايير منح الترقية لابد أن تكون موحدة، وإذا أخذ فى الاعتبار معيار الاختيار، فإن ذلك لابد أن يقتصر على شاغلى الوظائف القيادية العليا بالدولة فقط، وسوف تتسبب هذه الازدواجية فى وقوع أهل الخبرة تحت سيطرة أهل الثقة، المحظوظين دائماً بما لديهم من وساطة ومحسوبية.

ويضيف: المادة (٤٠) بالفصل الثامن تنص على الجزاءات التى يجوز توقيعها على الموظف ومنها “الخفض إلى وظيفة من الدرجة الأدنى مباشرة دون خفض الأجر، والإحالة إلى المعاش أو إنهاء العقد”، ووفقاً للدستور، لا يمكننا توقيع مثل هذه الجزاءات إلا بناء على حكم صادر من المحكمة التأديبية، ويكون نتيجة ارتكاب الموظف جرائم خطيرة.

ويتوقع الدكتور حمدى أنه فى حالة التصديق على مثل هذا القانون رغم تعدد المخالفات القانونية به، فإنه سيؤدى إلى حدوث تصادم قوى مع طبيعة العمل، وهو الأمر الذى سيترتب عليه تدمير بيئة العمل ككل، خاصة أن تقدير الموظف بهذا القانون سيعتمد اعتماداً كلياً على تقرير يعده رئيسه المباشر، وهو الأمر الذى سيفتح الباب على مصراعيه أمام الوساطة والمحسوبية والرشاوى للحصول على الترقيات. كما أن هذا القانون تجاهل واحداً من قوانين العدالة الاجتماعية، وهو حق العشرة الأوائل بالكليات فى التعيين بالدولة، تقديراً وتشجيعاً لهم على تفوقهم واستغلالاً لتميزهم.

وأشار عبدالعظيم إلى أنه كان ينبغى على الدولة أن تسعى لتحسين كفاءات الموارد البشرية الموجودة لديها، لرفع مستوى الأداء بالجهاز الإدارى للدولة عن طريق تدريب العاملين على التعامل مع أحدث وسائل التكنولوجيا، وتبسيط الإجراءات واللوائح، وتحسين حوافز وأجور الموظفين، على أن يتم ربط الأجر بالأداء وفقاً لمعايير موضوعية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الشخصية.

وأكد الدكتور جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن سعى الدولة لإصدار قانون الوظيفة المدنية الجديد يعنى سعيها إلى التحول لنظام القطاع الخاص، رغم فشلها فى إدارته، بالإضافة إلى أنها تسعى من خلاله لإثبات الادعاء القائل بأن تكدس الجهاز الإدارى للدولة بالموظفين هو السبب فى تشوه صورة مناخ الاستثمار فى مصر، رغم أن السبب الرئيسى فى ذلك هو عدم الاستقرار السياسي، الذى يعانى منه مجتمعنا، والنابع من عدم وجود طريقة محددة لتداول السلطة، خاصة وقت الأزمات، بالإضافة إلى قوانين الطوارئ والبيروقراطية.

وأوضح الدكتور جودة أن الدولة عندما تقر بضرورة إعادة جدولة الأجور، وفقاً لهذا القانون فإنه ينبغى إسناد حصر بيانات ومعدلات التضخم إلى مؤسسة مستقلة غير حكومية وموثوق بها، لتجنب خضوع البيانات للتسييس.