بلال فضل لـ”البديل” : الحياد الإعلامي في مجتمع مليء بالفساد خيانة للأمانة


  • لست ضد الإيحاءات الجنسية…وكتب التراث الإسلامى بها ألفاظ أقسى بكثير مما أكتبه
  • تكميم الافواه  يعيد “المنشورات” مرة أخرى .. ولا أحد يمكنه إعادة عقارب الزمن للوراء
  • الكاتب يمارس دوره دون انتظار مكاسب.. والقاعدة الأساسية هي “لا تنشغل بغير الطريق”
  • سأكتب عن الفتنة الطائفية حتى أموت .. والإيمان بقضية لا يعني ضمان النجاح
  • محاكمة الأعمال الفنية بشكل أخلاقي خطأ .. ودور الرقابة تصنيف الأعمال الفنية حسب سن المشاهد

حوار-  مريم زكى:

ربما تكون من معجبيه..تنتظر اصطباحته مع كل يوم جديد لتقرأها وتزداد إعجاباً به.. أوربما لا تقرأ مقالاته ولكنك قد تسليت خلال أوقات فراغك بإحدى كتبه الشهيرة.. “بنى بجم” ..” السكان الأصليين لمصر”. حتى إذا كنت من هؤلاء الذين لا يتمتعون بحب القراءة…لابد أنك قد شاهدت “أبو على” وشاركت “هيما” مغامراته فى “أيام الضحك والدموع” أو تابعت بزوغ نجم الفنان المتميز أحمد حلمى فى “صايع بحر”. وربما أثرت فيك كلماته وأنت تتطلع إلى مستقبل مصر فلا ترى إلا مجموعة من الغيامات السوداء. ولو كنت من مشجعى الأهلى فأكيد رددت هذا الهتاف الشهير الذى ابتدعه..”خدوا ستة رايح خدوا اربعة جاى”..مع الاعتذار لمحبى الزمالك.

إنه بلال فضل..صاحب الدم الخفيف والحلم العظيم والقلب الجرئ.

* لنبدأ بالمشهد الإعلامي الحالي، صحف أغلقت.. وبرامج توقفت.. وأخرى مهددة، كيف ترى الوضع الإعلامي الحالي؟

**  المسئولون في بلادنا يظنون أنهم يستطيعون إيقاف عقارب الساعة، ونظرا لجهلم بطبيعة التطورات الإعلامية في العالم يتخيلون أنهم يمكن أن يكمموا الأفواه،  زي زمان ولكن طبعا ده بقى مستحيل.. حتى لو قدروا يسيطروا على الوسائل المرئية عبر النايل سات مش هيقدروا على الإنترنت وغيره وغيره.. وبكره هيبقى كل واحد عنده قمر صناعي في جهاز الكمبيوتر بتاعه.. والحقيقة ستصل للناس بأي شكل.. وحتى لو قفلوا كل المنافذ هترجع المنشورات تاني.. خليهم فرحانين ويباركوا لبعض بإنهم منعوا المذيع ده أو الكاتب ده.. هيطلع كل يوم عشرات غيرهم أكثر وعيا وصدقا وأبعد عن المصالح والحسابات.

* دعوتك الأساسية هي “التغيير”، كيف يمكن أن يتحقق ذلك في ظل الإحباط السائد؟

** التغيير عمره ما يتحقق من غير قراية ووعى .. وأهم حاجة قراءة التاريخ خصوصا تاريخ مصر الحديث.. لأن الحلم من غير وعى بحركة التاريخ يتسبب فى إحباط للشباب، ومثلا لما يدخل العمل الصحفي، ويشوف مثلا رئيسه بيعمل أخطاء جسيمه بتحصل له صدمة ويفقد إيمانه بمبادئه..مع إنه لو قارى التاريخ كويس هايعرف قد إيه الصلابة مهمة جدا.

* خصصت العديد من مقالاتك لحالة الاحتقان الطائفي الذي تعاني منه مصر، فاتهمك متطرفون من الجانبين إتهامات وصلت لحد “التكفير”. لماذا يستمر بلال فضل بالكتابة في هذا الملف ؟ الم تشعر بخيبة أمل من ردود الفعل.؟

** أكتب في ملف الفتنة الطائفية منذ 1993 وكنت لسه طالب في الجامعة وباشتغل في الجرايد تحت التمرين وهافضل أكتب في الملف ده لحد م أموت. ومن يقرأ التاريخ الحديث لمصر يكتشف أن الطائفية تسيطر دائما في لحظات الضعف وغياب المشروع الوطني، أما سر الإستمرار في الكتابة عن هذا الملف،  فمن قال إن الكاتب تاجر عشان يحسب استمراره في الكتابة بالفائدة التي تحقهها الكتابة، يعني لو الكتابة ضد الفساد لا تؤدي لنتائج، هل معنى هذا أن نصمت و”نطرمخ” على الفاسدين.؟  فالإيمان بقضية معينة لا يفترض أن تكون متأكدا من تحقيق مكسب بالمعنى الدنيوي بهذا الإيمان.

* لكن السؤال ليس على “المكاسب”، خاصة إن كانت الخسائر تصل لدرجة “التكفير” مثلا.؟

** أنا نشرت كمان رسائل من مسيحيين بيهاجموني لأنني هاجمت سطوة الكنيسة وطالبت بإعادة المسيحيين لحضن الدولة كمواطنين لا رعايا للكنيسة.. إحنا شعب إنطباعي ومتحيز لأننا شعب لا يقرأ، ويكون آراءه بشكل بسيط بعيد عن التركيب الذي يعتبر سمة الحضارة الحديثة، وهذا ما يجب على الكاتب أن يستوعبه بشكل جيد.

* ماهو ردك على من اتهموك بأن كتاباتك فى هذا الملف نوع من المجاملة لرجل الأعمال المسيحى نجيب ساويرس باعتباره مساهما فى جريدة “المصرى اليوم” التى تكتب بها عمودك اليومى؟؟

** مهما حلفت للقارئ بأن ساويرس ليس مالك “المصري اليوم”، وأن كل ما يمكله فيها 10% من الأسهم فقط، وهي نسبة لا تعطيه صلاحية التأثير في الجريدة، وعن نفسي هاجمته من قبل في الجريدة نفسها. لكن القارئ مهما حلفت له لن يصدق، لإن فكرة سيطرة الغني المسيحي بتريحه وبتديله الدافع عشان يكمل في تعصبه بقلب جامد، وبرضه نفس الحكاية عند المسيحي مش عايز يتمسك بالمواطنة ويخرج من قوقعة الكنيسة.. وكل ماتكلم حد يسيب المستقبل ويقعد يكلمك عن تفاصيل تؤدي إلى الدمار… وأنا ككاتب لازم أكمل، وأطبق نصيحة المرور الشهيرة “لا تنشغل بغير الطريق”.

* بعد ما حدث مع إبراهيم عيسى وعمرو أديب وحمدي قنديل وغيرهم، يعتقد البعض أن “الدور جاي عليك”.. هل تشعر بالقلق من القادم؟

** وإيه يعنى ..هيحصل إيه لو بطلوني أكتب.. ماهم قبل كده بطلوني أطلع على الهواء في برنامج”القاهرة اليوم” فصبرت شوية وعملت فكرة عصير الكتب وطلعت بيها ومستمتع بيها أكتر من “القاهرة اليوم”.. لو بطلوني أكتب مقالات هاكتب مسلسلات وقصص وأفلام وكتب.. لو بطلوني أكتب كل ده ودخلوني السجن مثلا سواء في قضية نشر من القضايا اللي محجوزة للحكم دلوقتي أو منظورة في القضاء هيحصل إيه هل هاتكسف في المستقبل لإني اتسجنت في قضية نشر؟ بالعكس ده شرف، وفي السجن أكيد هاقابل ناس وبشر أكتب عنهم قصص وافلام ومسلسلات، ولو عملوا كدا يبقوا خدموني بس هم يسمحوا لي جوه السجن بالدواء والكتب غير كده ماعنديش أي مشاكل.. طبعا أنا بافترض الأسوأ لأنني لا أعتقد إن الحكاية هتوصل لكده أو هكذا أتمنى فلا يوجد إنسان عاقل يتمنى تقييد حريته.. لكن بجد لو كل واحد فكر فينا إن أسوأ شيء ممكن يحصل له هيبقى فيه خير هنبطل الدائرة العفنة اللي كلنا بنلف فيها.. على أي حال أنا مش هازعل لو تم منعي من الكتابة بس هازعل أوي لو اتمنعت من القراية والفرجة على الأفلام.. غير كده كل شيئ يمكن إحتماله.

* مادام الوضع بهذا السوء، فماذا يفعل جيل قادم من الصحفيين ؟

** أنا ماباحبش النصايح لكن بشكل عام، مبدئيا لازم نشوف المجتمع بتاعنا عامل إزاي أصلا،

لكن أهم حاجة للقادمين لهذه المهنة، ألا يصدقوا أكذوبة إن الإعلامي لازم يبقى محايد ومش متحيز.. الكلام ده مش في مجتمعاتنا الفقيرة المسكونة بالفساد والظلم.. الحياد هنا خيانة للأمانة.. ومش معنى التحيز إنك تشوه الحقيقة.. وتنحاز للمعارضة عمال على بطال.. لأ المفترض أن يكون الصحفي منحازا للصالح العام، وانا عارف إن كلمة “الصالح العام” مطاطة، بس ممكن نحددها بحاجتين، “الحرية السياسية” و”العدالة الاجتماعية”. ولو عند الصحفيين الشباب هم عام أو حلم فاستحاله حد يوقفهم.

* لنتحدث عن الجانب الفني في عملك، ففيملك الأخير”الرجل الغامض بسلامته” حقق أعلى ايرادات هذا الموسم..رغم ما قيل عن وجود إيحاءات جنسية مباشرة في التريلر، فما تعليقك؟

** أنا طبعا ماكنتش راضي عن التريلر لإني دايما باشوف إن مسألة أخذ جمل أو مشاهد من العمل الفني ونزعها من السياق اللي جت فيه جوه العمل ده شيئ غلط جدا ويسيئ للعمل الفني ويعمل سوء فهم بينه وبين الناس.. وانا لا أنكر إن هذه الجمل موجودة في الفيلم بس هي موجودة للتعبير عن أحداث وشخصية شاب محروم جنسيا بحكم ظروفه الإقتصادية الصعبة.. لكن لما تيجي تشيلها وتحطها ورا بعضها بتدي إنطباع سيئ عن الفيلم.. وأنا قلت ده صراحة للشركة المنتجة ولكن في الآخر المنتج بيبقى ليه تفكير مختلف. عشان كده إعلان العمل سلاح ذو حدين وفي الدول الأخرى هناك متخصصون ينتجون نسخا تجريبية ويعرضونها على عينات من الجمهور، ولا ينشر الإعلان غلا بعد عملية معقدة، ولو قلت كدا لمنتج دولقتي ممكن يشنقك.

* هل الكوميديا عند بلال فضل لابد أن ترتبط دائماً بإيحاءات جنسية؟؟

** أنا لست ضد حكاية الإيحاءات الجنيسة وأكتبها حتى في قصصي ومقالاتي وأتعرض لإتهامات بسبب ذلك.. وأنا دايما أقول لو كنا في مجتمع بيقرا وشاف كتب التراث العربي والإسلامي اللي كتبها كبار الأئمة والعلماء هيلاقوا فيها ألفاظ أقسى ألف مرة من اللي أنا بكتبه بس إحنا ساعتها كنا مجتمع صحي ماعندوش ازدواجية وعارف زي ماقال الإمام إبن قتيبة الدينوري وهو الحافظ والمفسر “إذا مر بك حديث فيه ذكر عورة فلا تصعر خدك فإن ذكر أسماء الأعضاء لا يؤثم وإنما  الإثم في أكل أموال الناس بالباطل”. ده كلام تقدروا ترجعوا فيه لمقدمة كتاب عيون الأخبار، وده مين اللي قاله دا إبن قتيبة اللي هو صاحب كتاب أدب الكاتب.. لكن في نفس الوقت أنا ضد إن إحنا كصناع فن ماناخدش بالنا من مسألة تصنيف العمل.. لازم العمل اللي فيه إيحاءات وجمل جريئة يخضع للتصنيف، بحيث مايشوفوش أي حد تحت سن 13 أو 16، وتبقى مسئولية الرقابة هي تحديد التصنيف ومسئولية الأهل والمجتمع مراقبة التعرض لهذه الأعمال.. لو عملنا ده هنستريح أوي من مشاكل كتيره.. وللأسف ماحدش بيتكلم في الموضوع ده وبيفضلوا محاكمة الأعمال الفنية على أساس أخلافي مع إن التصنيف العمري للفرجة هيحل كل المشاكل.

* تنقلت بين مدارس صحفية وفنية كثيرة، فمن هو “قدوتك” ؟

** من الناحية دي في كتير.. في كتابة السيناريو باقتدي ببديع خيري وعلي الزرقاني في تنوعهم ووحيد حامد في جرأته وبأسامة أنور عكاشة في معماره الدرامي.. في الأدب باقتدي بعزيز نيسين الكاتب التركي الكبير وبيوسف إدريس وبنجيب محفوظ.. في الكتابة لا أقتدي بأحد لكي لا أقع تحت سطوته.. لكني أتعلم من تجارب كثيرة لناس كلهم أطلق عليهم أساتذتي وكلهم ليهم فضل علي كبير زي محمود عوض ومحمود السعدني وإبراهيم عيسى والأستاذ هيكل وكلهم لحسن الحظ تعلمت منهم مباشرة وحظيت بشرف محبتهم ومعرفتهم عن قرب.. وحاولت أيضا أن أستفيد مما أعتقد أنه أخطاء وقعوا فيها من وجهة نظري.

* مين يعتبره بلال فضل أستاذه؟

** لو هاختار واحد فقط أقول له أستاذي فهو إبراهيم عيسى اللي منحني الفرصة اللي لولاها لكنت ضائعا.. فله مني كل المحبة والإعتراف بالفضل.