محمود خيرالله: الحروب الأهلية أنهكت قصيدة النثر

  • الدولة ترتجف من القصيدة الجميلة وتجيش الجيوش للتخلص من شعرائها
  • أن يستبعدك حجازي وتشتمه أشرف من أن يدعوك لمؤتمر النثر شاعر صغير
  • كل الذين يكرهون الشعر الجديد هاجموا القصيدة باعتبارها تحضُّ على الرذيلة حتى صارت معادلاً موضوعياً للفجاجة
  • مؤتمر قصيدة النثر أصبح وسيلة تلميع مشروعة

حوار ـ محمد فرج

يكتب محمود خيرالله قصيدة نثر تخصّه وحده، ضمن تيار قصيدة النثر المصرية، فعبر دواوينه الأربعة: فانتازيا الرجولة”1998 ولعنة سقطت من النافذة” 2001 وظل شجرة في المقابر” 2004 و “كل ماصنع الحداد” الصادر حديثا عن دار صفصافة للنشر. يكتب خيرالله عن المشردين وأطفال الشوارع والذين يبيعون أعضائهم من شدة الفقر. يخاطب جموعا يعرف أنها لا تسمعه الآن ولكنها ستسمعه يوما ما. لا يكتب محمود قصيدة تحتفي بالجسد أو بأشياء وعلافات لا يعرفها لأنه لا يريد افتعال قصيدة ولكن يكتب عن نسوة طحنتهن الحياة ويعرفهن جيدا. يتحرك خير الله داخل خلفية ايديولوجية في رؤيته للعالم كتب عبرها بيان نشر مع ديوانه الثالث تحت عنوان “قصيدة النثر..بيان شخصي” أوضح فيه رؤيته لقصيدة النثر وهاجم فيه مسئولي الدولة الذين يستبعدون القصيدة وشعراءها وهاجم النقاد الذين لا يكتبون إلا طبقاً لمصالحهم الشخصية وهاجم الشعراء الذين يتكسَّبون من وراء شعرهم.
طبعاً هوجم بقوة بعد ظهور الديوان بالبيان الملحق به، ولكن الديوان الجديد “كل ما صنع الحداد” تحكمه مشاعره الإنسانية البسيطة التي ظهرت بقوة في قصائده الجديدة، حيث تراجعت مساحة الإيديولوجي لصالح ما هو إنساني، وبدا محمود خيرالله في ” كل ما صنع الحداد” أكثر انحيازاً للشعر منه للإيديولوجيا.
الشعر والإيدلوجيا
اعتمدت قصائدك خطاً أيديولوجياً يجعلهاـ أحياناً ـ تبدو أقرب إلى البيان السياسي ، ألا تعتقد أن ذلك يفسد شاعرية بعض دواوينك؟؟

ـ تقديري أن الخط الأيديولوجي مر بعدة مراحل في الشعر العربي الحديث، في الخمسينات والسينات، كان هو رمز الشعرية المصرية، ولم يكن هناك بمقدور شعراء مجددين أو ثوريين مثل صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وعبد المعطي حجازي أن يكتبوا قصيدة بعيدة عن هذا الخط الأيديولوجي، ربما استطاع أمل دنقل أن يصنع “ذاتوية” في كثير من قصائده ولكن مشروعه الشعري كله كان مبنياً على موقف أيديولوجي واضح من العالم، وكذلك بالنسبة إلى محمود درويش ونزار قباني وغيرهم قدموا خطاباً أيديولوجياً داخل الشعر بدرجات متفاوتة.
أريد أن أقول: منذ متى والهم الأيديولوجي لا يشغل الشعراء في العالم؟ هل كتب بابلو نيرودا قصائده بعيدا عن هذا الهم؟ هل كتب كزيننزاكس رواياته بعيدا عنه؟؟ السؤال هو كيف تقترب أو تبتعد منه، والشعر لا يمكن تلخيصه في الابتعاد عن الأيديولوجيا..لكن أن تجعله حراً بين يديك.

ولكن ألا ترى أن ما سيبقى من أمل دنقل هو ديوانه الأخير “أوراق الغرفة 8” حيث الحيز الأيديولوجي محدود؟؟

ـ لا، أمل سوف يبقى منه ما هو أكثر، لكنني أتفق معك أنه كان في “أوراق الغرفة 8” أكثر رقياً من بعض شعره السابق، لكن لا تنس أنها كانت خلاصة تجربته الطويلة مع الهم الأيديولوجي، لكن لا تستطيع أن تنكر أن هذا الطابع الأيديولوجي أسهم بشكل كبير جداً في إنتاج نموذج أمل دنقل الشعري. الذي جعله حتي وهو يكتب “أوراق الغرفة 8” منحازاً لذاته المهدورة المبعدة التي أصابها المرض، أمل كان جميلاً في ديوانه الأخير لأنه قام بما يشبه المراجعة لخطابه الشعري السياسي.
* في ديوانك الأخير خطان متجاوران: الأول يظهر فيه الهم الأيديولوجي واضحاً إلى حد المباشرة، والثاني يخفت فيه هذا الهم لكنه يبقى موجعاً أكثر، ألا تعتقد ذلك؟؟

ـ منذ صدور “كل ما صنع الحدَّاد” في نوفمبر الماضي، وأنا أتلقى ردود أفعالٍ متباينة، كل شخص يختارُ قصيدةً مختلفةً تماماً عن الآخر على أنها أفضل قصائد الديوان، ملاحظتك دقيقة لأن الديوان كُتب على مرحلتين، فى الأولى كنت أظن أن الشعر يجب أن يتحمل عبء وجوده في ظروف قاحلة، وفي الثانية كنت نضجت لدرجة جعلتني أعتقد أن الشعر لا يكون كذلك إلا بتخليصه من شوائب العالم الذي يُكتب فيه، كنتُ مفلساً تماماً ومحبطاً إلى أقصى حد، واكتشفتُ أنه في لحظات الإحباط كنت أستعيد النماذج البشرية الأكثر فقراً في حياتي، لم أجد ضرورة لتقديمهم كخطاب أيديولوجي، وجودهم الإنساني في قصيدة يجعلهم شعريين أكثر، لذلك القصائد المكتوبة في المرحلة الأخيرة هي التي تخلصت فيها إلى حد كبير من الأيديولوجيا، ولدى كثير من كتاب العالم هذا النوع من النضج، ولنا في جورجي أمادو أسوة حسنة.

ألم تفكر في جعل الديوان نغمة واحدة بدلاً من نغمتين؟

فكَّرت، لكنني اكتشفت أن هاتين النغمتين معزوفتان بأشكالٍ مختلفة في دواويني السابقة، قلت “ليس مطلوباً مني أن أكون شخصاً آخر” فأنا أعيش بهذا الوعي، وبالتالي سأكتب هذه القصيدة، ربما لأنها تشبهني أكثر مما تتخيَّل، وحين اخترت عنوان الديوان كان أمامي خياران، إنساني وأيديولوجي، وفضَّلت الخيارَ الأخير لأكون صريحاً مع نفسي، ربما أختار في ديواني القادم شيئا آخر، لا أعرف.

لكن ألا يعني ما تقوله أن “الأيديولوجيا” هي مرحلة بدائية في كتابة القصيدة وأنه يجب التراجع عنها في مرحلة مُعينة من النضوج؟؟

ـ أنا لا أقول أنه يجب، بل يحدث للبعض وأنا منهم أن نضجت بحيث لا أذهب إلى النص مفعماً بنظريات في الإصلاح، بل بقلب يملأه الأسى على كل هؤلاء المفقودين بسبب الفقر والجهل والمرض، منذ عشرات القرون، دون أن يتغير شيء في هذا البلد، ويحدث للمرء أن يكتب عن أقاربه الفقراء وأصدقائه المعدمين، دون أن يكون ذلك تاجاً على رأس قصيدته، صرت أظن أن الشاعر بحاجة إلى وعي سياسي حاد، لكن الشعر ليس بحاجة إلى ذلك أبداً.
الذات والآخرون
لكن قصيدتك تمتليء بالآخرين، وتكاد تخلو من الذات وهمومها الفردية.. أين ومتى تكتب ذاتك؟
ـ حين كتبتُ قصيدةً عن عمتي، تصوَّرت أني ألخِّص سيرة امرأة مريضة ومحبطة بشكل نموذجي جداً، لكني اكتشفتُ فيما بعد أنني أكتب عن ذاتي، الآخر بشكل من الأشكال أحد صور الذات، ولكن لم أكتب مثلاً عن “رجل تتدلى ساقاه في الباسيفيكي” مثلما فعل شعراء آخرون، أكتب ذاتي مرة مخلوطة في حيوات الآخرين ومرة في مواجهتهم، فعلتُ ذلك منذ ديواني الأول، لكنني لا أعتقد أن الأمر برمته يمكن تنفيذه بقرار، أنا أجتهد لأرد على سؤالك، لأنني في الحقيقة لا أعرف بالضبط متى يمكن للمرء أن يتخلَّص من ذاته وهو يكتب، ولا تنسى قصيدة استقالة المنشورة في كل ما صنع الحداد.

من “العمة” إلى “الجارية نموذج المرأة في قصيدتك عجوز ومحطمة وفقط..حتى في قصيدة مثل “عالق كقُبلة” تبدو ملامح المرأة في القصيدة أقرب إلى الطفولة منها إلى لأنوثة.. لماذا؟

ـ لأنني ابن مجتمع لا يسمح كثيراً بالتعرف إلى صور أخرى للمرأة، أنا ابن هذا العالم، وليس من امكانياتي أن أستدعي صور نساء في ثقافات أخري لأكون شاعراً “على الموضة”، عدد النساء اللواتي عرفتهن في حياتي قليلٌ ومحدود، ربما خلف ذلك نوعاً من عدم الخبرة بهن، وبعض التجارب التي عشتها لم تختمر بعد لأكتبها، عندما لا أكون مشغولاً بذلك، لكن دعني أسألك، هل النموذج الأنثوي الذي يطل من قصائدي يتشابه مع نماذج آخرين في القصيدة المصرية أو العربية، نساء قصائدي لا مثيل لهن في قصيدة النثر، وأنا كنت أقصد ذلك بالتحديد، من عمتي إلى الجارية إلى غيرهما، لأنني في مرحلة التأسيس سمعتُ من الشاعر الكبير حلمي سالم أنه شعر بالأسى حين رحلت أمه، ولم يكن قد كتب عنها سطراً واحداً في شعره، بينما كانت قصائده حتى هذه اللحظة تتغزل في نساء كثيرات، ساعتها سألت نفسي عمن أريد أن أكتب، عن نساء بلادي الفقيرات “الضحايا” أم عن نساء يحاربن لكي لا يكنَّ هكذا، ورأيت أن الضحايا أقرب إلى الشعرية التي أنتمي إليها، دون أن يكون ذلك عيباً طبعاً في شعر الآخرين، بالعكس هو عندهم ميزة أقدرها.

في قصائدك ذات الخط الأيديولوجي تبدو وكأنك تخاطب الجماهير، هل ترى أن هذا الصوت الذي يتحدث نيابة عن الآخرين لايزال مسموعاً في الظرف التاريخي الذي نعيشه؟

دعنا نكون أكثر صراحة.. هل قصيدة النثر بالأساس لها مساحة كي تكون مسموعة، تقريباً لا، ومع ذلك تحقق تقدماً يوماً بعد آخر، وأستطيع أن أدعي أن الملاذ الآمن لأي تجربة شعرية ألا تتعالى على هموم الجماعة، ألا تتمثل قيماً سياسية ذد المصلحة العامة مثلاً، وبالتالي بدأت كتابة قصيدة النثر في بيئة سياسية معارضة، كنت أضحك على سخرية السياسيين من قصائد جيلي المليئة بالأعضاء التناسلية النابضة، منتصف التسعينيات، كانت قصائدهم جريئةً وصادمةً وأعجبني تمرّدها، فقررت أن أتمرد على كونها جوفاء سياسياً، دون أن يكون ذلك هدفاً شعرياً في حد ذاته.
الجزء الرئيسي في تكويني النظري ماركسي في مجتمع هش ودولة لصَّة، سرقت طبقتها الحاكمة كل شيء تقريباً، ولكي تظل ماركسياً فهذا نوع من “النبوة”، وحين تنتج فناً لا يفرض عليه السوق سلطاته مثل الشعر يجب أن تنتقي من ذاتِك أنضج ما فيها، لأن الشعر يا عزيزي اختيار، وقصيدة النثر بالذات من أصعب الخيارات، خصوصاً في مجتمع لا يقرأها ولا ينشرها، وفي الشعر بالذات، لا يُمكن أن تستمرَّ دون أن تكونَ حراً، صدِّقني.

ولكن أليس الشعر كله بنثره وعموده محاطاً بهذا التجاهل العام؟؟

ـ نعم، الشعر كله الآن يتعرَّض لأسوأ عملية تدمير من قبل الدولة، من اليوم الأول لدخول الطالب للمدرسة وحتى يتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية، لا يكون قد درس نصاً واحداً من الشعر المعاصر، لنظل ماضويين في ذائقتنا، ومتخلفين عما يحدث في الحاضر، لنظل جهلاء بواقعنا وقضاياه وفنونه، جريدة الأهرام لم تكن حتى شهور قليلة تجرؤ على استعمال مفردة قصيدة النثر كأنها رجس من عمل الشيطان، وطبعاً أكبر صحيفة مصرية وعربية لا تستطيع نشر قصيدة شعر واحدة في صفحاتها الثقافية، ألا يدعو ذلك للأسى، بينما صحف العالم تتصدى لموجات ابتعاد القراء عن الشعر بنشره على نطاق واسع، أعتقد أن الدولة المصرية ترتجف من الشعر الجديد وتجيش الجيوش خصوصاً قصيدة النثر.
أزمة قصيدة النثر
كتبت في ديوانك الثالث “ظل شجرة في المقابر” 2004 بياناً شعرياً تحت عنوان “قصيدة النثر- بيان شخصي” كيف نراه الآن؟

لازلت متفقاً مع أكثر من 80% من الأفكار الواردة فيه، لكن أصبح عندي أولويات، لقد كانت أكثر الملاحظات التي وجهت الى الديوان والبيان معا أن وجودهما في إطار واحد صنع حالة من النشاز منعت إستقبال كل عمل على حدة فانت عندما تتلقى جرعة شعرية لن يكون بك أي رغبة في تلقي أفكار نظرية. وستصبح في هذه الحالة افتعالاً وتزيداً. كان يمكن مناقشة البيان اذا نشر منفردا باعتباره رؤية للشعر لكن لم أكن أملك وسيلة أخرى. فلم يسأل أحد نفسه لماذا يضع الشاعر أفكاراً نظرية في ديوانه؟ لأني لم أكن أملك وسيلة أو منبراً أقول فيه إن النظام السياسي عدو للشعر، لذا لا يكون أمامي سوى نشره في ديواني الذي أطبعه على نفقتي الخاصة، ولأفوِّت الفرصة على مطبوعات هيئة الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة ومكتبة الأسرة وهيئة قصور الثقافة لكي تدعي أن الجميع دخل حظيرة الثقافة، لأن الحظيرة لا يدخلها سوى المواشي في الحقيقة.

لكن ألا تعتقد أنه ليس من وظيفة الشاعر أن يكتب البيانات؟؟

ـ وظيفة الشاعر أن يقول ما يُريد وأن يخاطب العالم بالطريقة التي يراها مناسبة، في لحظة ما كانت قصيدة النثر متهمة بالنجاسة، حين كتبت شهادتي كنت أشعر أنه يجب أن أدافع عن هذه القصيدة، هذا الدور لم يلعبه – لأسباب سياسية واجتماعية ومصلحية- أساتذة الجامعة الذين يقرؤون قصيدة النثر ويكتبون عنها على قدر مصالحهم، وأصحاب الندوات و وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة الرسمية، الجميع تقريباً لا يود أن يلعب هذا الدور. وجدت أن أمامي فرصة -من خلال نشر البيان \الشهادة – أن أحقق انتصارا للقصيدة فلماذا أترك هذه الفرصة.
لماذا تصنع قصيدة النثر في مصر ضجة لانجدها في البلاد العربية الأخرى؟؟

بشكل عام الناس تتعامل مع الشعر على أنه جزء من المقدس، ولأن قصيدة النثر لا تشبه الشعر القديم فبالتالى هي تهدم المقدس لذا فهي مرفوضة بشكل مجمل في الوطن العربي.
وهناك ظرف آخر يواجه قصيدة النثر في مصر وهذا يتحمله الكثير ممن يكتبون هذه القصيدة. فالدفعة الأولى التي أصدرت دواوين نثرية بكل أسف اهتمت فقط بالأيروتيكا، و هذا ليس عيباً في ذاته لكنه خلق نوعاً من الربط بين كتابة الجسد والقصيدة.
لذلك كل الذين يكرهون الشعر الجديد هاجموا القصيدة باعتبارها فقط تحضُّ على الرذيلة، حتى صارت معادلاً موضوعياً للفجاجة، ولم يحاول أحد لا من كتابها أو مهاجميها البحث عن معانٍ أخرى في هذه القصيدة.
ناهيك عن أن كل أصحاب المصالح الشعرية موجودون في مصر وعلى رأسهم أحمد عبد المعطي حجازي، الذي لخَّص دوره الرائد في مهاجمة قصيدة النثر، قبل أن يمنح نفسه جائزة في مؤتمر هو رئيسه كما فعل العام الماضي، وتتعرى شعريته تماماً وعلى نحو يدعو للأسف،

هل ترى أن القصيدة الجديدة التي تكتب منذ التسعينيات وإلى الآن تمت قراءتها نقدياً؟؟

بالطبع لا، الذين تمت قراءتهم هم مجموعة صغيرة جداً، أغلبهم من الذين يسيرون داخل شبكة المصالح النقدية، لكن القصيدة التي تُكتب خارج هذه الشبكة لم تعرفها أعين النقاد بعد. وهذا من حسن حظي، سعدتُ جداً لأن من اهتموا بدواويني أدباء ونقاد من خارج هذه الشبكة المعقدة، مثل الناقدة عبلة الرويني والشعراء حلمي سالم ومحمود قرني وإيهاب خليفة ومصطفى جوهر والروائيان أشرف عبدالشافي وطارق إمام، وهناك شهادات أعتزُّ بها لنقاد محترمين مثل الدكتور شاكر عبدالحميد والدكتور صلاح السروي والدكتور محمود الضبع، وهذا يكفيني جداً، لأن النقاد “مش شايفين شغلهم” هل تعرف أن نجيب محفوظ هو الذي أشار على المسئولين عن المجلس الأعلى للثقافة في عهد الناقد النحرير جابر عصفور لعقد مؤتمر للشعر كل عامين بالتبادل مع مؤتمر الرواية!! نجيب محفوظ اندهش حين سألوه نخلي مؤتمر الرواية كل سنة ولا كل سنتين، فرد سائلاً” هو مفيش مؤتمر للشعر؟ يبقى سنة للرواية وسنة للشعر”.. تخيل؟
جيل التسعينيات
بعد مرور كل هذا الوقت على قصيدة أبناء جيل التسعينيات كيف ترى انجازَهم الشعري؟

الحراك الذي حدث في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية كان جميلاً ليفرز عدداً من الشعراء، حتى الانقسام المريع بين شعراء قصيدة النثر من فريقي مؤتمر “نقابة الصحفيين” واتحاد الكتاب” هذا الانقسام يعني أن عدداً من الشعراء تفرغوا للمؤتمرات وهذا حقهم، لكن المدهش أن اللجنتين التحضيريتين للمؤتمرين كل منهم يسأل الآخر: من أنت ومن أين؟؟ دون أن يسألوا أنفسهم عن القصيدة، هذا نوع من الحرب الأهلية، وفي مثل هذه الحروب لا ينجو من المذبحة إلا من ترك الساحة وهرب، وهذا ما يجب أن يفعله العقلاء.
بهذا الشكل الا ترى أن شعراء قصيدة النثر أنفسهم أصبحوا سلطويين ويمارسون إقصاء الآخر بنفس الطريقة التي مورست ضدهم؟؟

ـ بل بطريقة أفدح، لأنه من الشرف أن يستبعدك حجازي وتشتمه، لا أن يدعوك للمؤتمر شاعر صغير، فتكون مضطراً لسبه وإغلاق الهاتف في وجهه، لأن المؤتمر أصبح وسيلة “تلميع” مشروعة جداً، لأن أحداً لن يسأله متى كتبت آخر قصيدة من فضلك؟.

كيف ترى أزمة كتاب “صيد وحيد ” المرشحة للمزيد من الحرب الأهلية بين أبناء جيلك؟
ـ “صيد وحيد” مختارات أعدها الشاعر البهاء حسين بأكبر قدر ممكن من النزاهة في ضوء قناعاته الفنية، وهو شاعر متميز من كتاب قصيدة النثر وفضل ألا يضم قصيدة له في الديوان مكتفياً بدور الصياد الذي أظنه يتقنه، ما أثير قبل نشر الكتاب منحه مجداً إضافياً، لكنني أتحدث عن الكتاب الذي يصدر كأول اعتراف رسمي من الدولة بهذه القصيدة، أظنه سوف يترك علامة فارقة في مسيرة هذه القصيدة، بما يضفيه من قيمة جمالية وما يثيره من زوابع، أعتقد أن “صيد وحيد” سوف يتحول بمرور الوقت إلى عتبة لقراءة تجارب ثلاثة أجيال في الشعر المصري، وهو يصلح ما أفسدته بعض اختيارات محمد بدوي الهزلية التي قدمها ضمن إصدارات كتاب في جريدة العام 2007، وتكمل جهد الشاعر الجميل عماد فؤاد الذي أصدره في العام نفسه في كتاب “رعاة ظلال” من الجزائر، صيد وحيد أول كتاب مصري يصدر في المؤسسة الرسمية ومن الطبيعي أن يشعر الشاعر البهاء حسين أنه وضع يده في شق الثعبان لأول مرة في حياته.