باسل رمسيس : العودة الحميدة للشرطة المجيدة

ما بين موقعتي محمد محمود والقصر العيني/مجلس الوزراء عادت الشرطة المصرية، إلي الشوارع، بثوبها الجديد.. الأيام لم تسعفها، فاختفت نسبيا، مع بداية مواجهات القصر العيني.. ربما بدافع الخوف أو بدافع الحياء.. فيما عدا بضعة ساعات قامت خلالها "بترييح" جنود الجيش، والإحلال محلهم، لقتل وضرب المتظاهرين عند شارع الشيخ ريحان، تحديدا عند مدخل قاعة إيوارت. انتهت هذه الموقعة "بسلام"، فعادت شرطتنا المصرية للشوارع مرة أخري.. أهلا وسهلا.
ولتحية الوزير الجديد، وفي صحته، وصحة أوامره، أو أوامر رؤسائه، بعودة "الأمن" وضبط الشارع، لن أسأله عن الحواوشي، وإن كان قد طبخه هو. ولن أسأله عن عدد البلطجية المقبوض عليهم خلال الأيام الأخيرة، برغم أن الشرطة لديها ملفات كاملة عنهم. بل سأهديه حكاية أخري، أكثر بساطة:
منال هو الاسم المستعار للأخت الكبري لأحد أصدقائنا. شاركتنا رصيف ميدان التحرير فى الأيام الثمانية عشر الأولي من الثورة، وكذلك شارعي محمد محمود والقصر العيني خلال الموجة الأخيرة، موجة نوفمبر وديسمبر ٢٠١١. وبين الموجتين لم تنقطع أبدا عن التحرير. هي في منتصف الأربعينيات، تنتمي اجتماعيا للشرائح العليا للطبقة الوسطي، ومحجبة. من لا يعرفها جيدا سيظنها سيدة تقليدية. يزيد من هذا الانطباع هدوؤها، وخجلها، وكلماتها القليلة. تركت سيارتها قبل أيام في مكان ممنوع، عادت بعد قليل لتجد أن السيارة تم "كلبشتها"، وبالقرب منها يقف رجال لجنة المرور، بعض الضباط وأمناء الشرطة. توجهت إليهم مبتسمة لدفع الغرامة، وبنفس الابتسامة قالت للضابط الشاب: حمدالله علي السلامة. رد عليها مبتسما: الله يسلمك، بس إحنا كنا موجودين.. ممشيناش.. وأهوه رجعنا وهنضرب بالجزمة!!! فردت عليه منال بهدوء: لو هتضربوا بالجزمة... هنضربكو بالجزمة مرة تانية!!!
مرة تانية!!! لابد أن الضابط قد ارتبك من ردها الحاسم، وإضافتها لعبارة (مرة تانية).. وهي التفصيلة التي لا أعلم إن كانت في حسابات قيادات الداخلية أم لا، لكنها تبدو خارج حسابات رؤساء الوزير الجديد، من جنرالات المجلس العسكري.. يبدو أن العسكر لم يلتفتوا لتأثير الانتصار الأول ومعناه النفسي. نعم، المرة القادمة، التي ربما تكون في ٢٥ يناير المقبل، سوف تكون المرة الثانية.. بعد أن كُسرت الشرطة وهُزمت أمام المتظاهرين العزل فى يناير الماضي. نفس المتظاهرين الشباب، الواعين بأن معارك أخري أكثر دموية آتية في الطريق، بينهم وبين الشرطة بنوعيها (عسكرية ومدنية)، فيرددون يوميا في تجمعاتهم ومظاهراتهم (خالتك سلمية ماتت.)
سأتجاهل الوزير الجديد، الموظف لدي المجلس العسكري، مؤقتا، فهو فاقد لأي إرادة أو سلطة سياسية. ولنتجاهل أيضا الطرف الثالث، اللهو الخفي.. صاحب طاقية الإخفاء. ولنتحدث عمن يحكم الآن، أي المجلس العسكري.
يبدو أن هناك نوعا من الغشومية، أو البلطجة السياسية تتحكم في الجنرالات، وتجعلهم يتصورون أنهم سيقومون بأي جريمة تخطر علي بالهم، وينتصرون علينا في النهاية. يقومون بحساب احتمالات هزيمتهم بمنطق أنها معدومة، وإن وقعت وهُزموا، فإننا سنسامحهم ونهديهم الخروج الآمن!!! متناسين أننا والإخوان المسلمون لسنا (إيد واحدة). هل سذاجتنا وتقديرنا التاريخي للجيش – كمؤسسة - يصل إلي هذه الدرجة.. أن نسامح قياداته صنيعة مبارك؟ هل من الممكن أن نتسامح مع تخريب ثورتنا، بكل أشكال هذا التخريب، بداية بالتواطؤ والشراكة يوم موقعة الجمل، وصولا لقتل الثوار في محمد محمود والقصر العيني، مرورا بمهزلتي حكومة الجنزوري والمجلس الاستشاري، وغيرها من الجرائم الكثيرة والمتراكمة؟ هل من الممكن أن نتسامح مع جريمة محاكمة الآلاف أمام المحاكم العسكرية، وتعذيب الكثيرين منهم؟ هل من الممكن التسامح مع أصحاب الملابس الرسمية ممن شاركوا في كل هذا الفساد المتراكم عبر عقود.. وأداروا الجيش بمنطق أنه عزبتهم الخاصة؟ هل من الممكن التسامح معهم وعدم حسابهم علي أوجه صرفهم وتبديدهم للمليارات من أموالنا وأموال المعونة الأمريكية؟ هل نسامحهم علي قبول رشوة الأمريكان، كي يكونوا أصدقاء لإسرائيل، ويحولوا العقيدة القتالية للجيش المصري من حماية الوطن إلي قتل وتعذيب المواطن؟
هذا هو الوعي الغائب لدي الجنرالات ومحاسيبهم من الإخوان.. والغشومية هي عدوهما الأول. أما رجال الشرطة ووزيرهم فأعتقد أنهم أكثر إدراكا. هم واعون بأن هذه المعركة التي بدأت بينهم وبين الشعب، ينبغي أن تنتهي بنصر حاسم لطرف ضد الطرف الآخر، حتي وإن طالت هذه المعركة. نحن أيضا لدينا نفس هذا الوعي. بأن "التار" لم ينته ولم ّيتم تصفيته بعد.. بدليل التواجد الشعبي المكثف في أي اعتصام أو تظاهرة بعد دقائق من تدخل الشرطة (المدنية أو العسكرية) لضرب المتظاهرين.
لن أدخل هنا في النقاش عديم المعني حول ما إن كان هناك شرفاء بين رجال الشرطة أم لا. بالطبع هناك البعض، وهم الاستثناء، وهناك القليلون منهم قد جاهروا برفضهم لممارسات الشرطة وطالبوا بإعادة هيكلتها، فيتم عقابهم الآن لكونهم شرفاء، حسبما يتردد. إلا أن هذا "التار" أو الحساب المعلق لا يصفي أو ينتهي بأكوام التدليس الإعلامي للشرطة والتصفيق لها، والطبطبة عليها. لن يحسمه تدليعهم بالمرتبات والترقيات والتهليل لعودتهم "الشوارعية" عديمة القيمة. يتحدث مطبلاتية الإعلام بلسان الحكمة.. فيقولون لك أنه لا ينبغي، أخلاقيا وسياسيا، أن يتم الضغط علي رجال الشرطة، ينبغي احترامهم، والصلح خير. ويبدو أن بعض هؤلاء الحكماء يحلم ويرتب لأن يكون يوم ٢٥ يناير المقبل عيدا للصلح، عيدا للشرطة وعيدا لثورة يناير التي حققت الهزيمة الأولي للشرطة، في نفس الوقت!!! وهي الحماقة بعينها.
أما الحكمة الحقيقية فيتم تجاهلها، وهي أن تحل المشكلة بين المواطنين والداخلية، وأن تحسم هذه المعركة بكسر شوكة الضباط. أن يتحولوا لخدم – بالمعني الحرفي - للمواطنين. وهو ما يستدعي إعادة هيكلة الوزارة بأجهزتها وبأكاديميتها التي تقوم بتخريج هذه الفراعين الصغيرة.. أن تدار الوزارة برجال قانون وقضاء، وتحت رقابة شعبية حقيقية، وأن تغلق كل إداراتها المتعلقة بالشؤون السياسية.. أن يحاكم أي ضابط قام بارتكاب أي جريمة في حق أي مواطن، قبل يناير أو بعد يناير. ومن ضمن هؤلاء هذا الوزير نفسه الذي قتل العشرات من اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفي محمود، وهذا المشير الذي قتل العشرات من شبابنا.
سيادة الوزير الجديد وسيادة المشير، المتهمين: لا تجدي الجولات الليلية التي يقوم بها البعض، وهو متخف. الحل الوحيد هو أن تنظروا، إن استطعتم إلي عيون النساء والرجال المصرين علي استكمال ثورتهم، حتي تستطيعوا أن تروا هزيمتكم.. لتروا أننا لن نُضرب بالأحذية مرة أخري.. ولتدركوا أنه ليس هناك مجال ولا إمكانية لخروجكم الآمن، إن هزمناكم.

basel@dayraarts.com

Node Comments